السيد كمال الحيدري

86

الإنسان بين الجبر والتفويض

القضاة عبد الجبّار ( ت : 415 ه - ) مقتبس من كتابه « شرح الأصول الخمسة » ، يقول فيه : « قد عُلم عقلًا وسمعاً فساد ما تقوله المجبرة الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله تعالى ، وجملة القول في ذلك أنّ تصرّفاتنا محتاجة إلينا ومتعلّقة بنا لحدوثها » « 1 » . يبدو من مراجعة الكتب الكلامية والفرقية وجود ما يشبه الإجماع في نسبة هذا المذهب إلى المعتزلة ، من ذلك التلخيص المفيد الذي جاء في « شرح المواقف » لموقفهم حيث ذكر المؤلّف أنّ المعتزلة استدلّوا « على أنّ العبد مُوجِد لأفعاله بوجوه كثيرة مرجعها إلى أمر واحد ، وهو أنّه لولا استقلال العبد بالفعل على سبيل الاختيار لبطل التكليف بالأوامر والنواهي ، لأنّ العبد إذا لم يكن موجداً لفعله ، مستقلًّا في إيجاده ، لم يصحّ عقلًا أن يقال له افعل كذا ولا تفعل كذا ، وبطل التأديب الذي ورد به الشرع ؛ إذ لا معنى لتأديب من لا يستقلّ بإيجاد فعله ، وارتفع المدح والذمّ إذ ليس الفعل مستنداً إليه مطلقاً حتّى يمدح به أو يذمّ ، وارتفع الثواب والعقاب الوارد بهما الوعد والوعيد ، ولم يبق للبعثة فائدة » « 2 » . وعند استعراض الرازي لما أُطلق عليه بتفاصيل مذاهب الناس في باب خلق الأفعال ، قال : « والقول الرابع : إنّ المؤثّر في حصول الفعل هو قدرة العبد على سبيل الاستقلال . وهذا هو قول المعتزلة » « 3 » .

--> ( 1 ) شرح الأصول الخمسة : ص 332 عن : الإلهيّات ، مصدر سابق : ص 666 . ( 2 ) شرح المواقف ، مصدر سابق : ج 8 ، ص 154 . ( 3 ) القضاء والقدر ، محمّد بن عمر الرازي : ص 34 .