السيد كمال الحيدري
80
الإنسان بين الجبر والتفويض
في نصّ ثالث يذكر عبده صراحة أنّ مبدأ الجبر هو هدم للشريعة وإبطال للعقل ، حيث يكتب وهو يستعرض بعض الاتّجاهات الفرقية وسط المسلمين : « فمنهم القائل بسلطة العبد على جميع أفعاله واستقلاله المطلق ، وهو غرور ظاهر . ومنهم من قال بالجبر وصرّح به ، وهو هدم للشريعة ومحو للتكاليف ، وإبطال لحكم العقل » « 1 » . لكن برغم ذلك كلّه نجد أنّ بعض نصوصه توحي بتبنٍّ لنظرية الكسب وترويج لها « 2 » ، وإن جاء ذلك بصيغة توحي بنفي الجبر وتحمّل الإنسان مسؤولية فعله . مهما يكن من أمر لا يشكّ أحد أنّ آراء الشيخ محمّد عبده في مهاجمة الجبر صراحة ، كان لها الدور البارز في تعديل الموقف الأشعري خلال القرن الأخير ، بالأخصّ بعض الاتّجاهات التي تابعت آراء عبده في مصر وشمال إفريقيا ، ولم يبال باعتراضات الأزهر عليه « 3 » .
--> ( 1 ) المصدر السابق : ص 387 . ( 2 ) من أبرز تلك النصوص قوله : « لا يوجد مسلم من سنّي وشيعي وإسماعيلي وزيدي ووهابي وخارجي يرى مذهب الجبر المحض ، ويعتقد سلب الاختيار عن نفسه بالمرّة ، بل كلّ من هذه الطوائف المسلمة يعتقدون بأنّ لهم جزءاً اختيارياً في أعمالهم ، ويسمّى الكسب ، وهو مناط الثواب والعقاب عند جميعهم . . . وأنّ هذا النوع من الاختيار هو مورد التكليف الشرعي وبه تتمّ الحكمة والعدل » . ينظر : العروة الوثقى ، جمال الدين الأفغاني ، والشيخ محمّد عبده ، دار الكتاب العربي ، ط 2 ، بيروت ، 1980 : ص 91 . لا ريب أنّ المناخ الذي عاشه عبده ورفقته للسيّد الأفغاني ، كذلك انفتاحه على نهج البلاغة كلّها مؤثّرات ساهمت في توجيه رؤيته وسوقها نحو موقف متوازن . ( 3 ) ينظر بهذا الشأن الدراسة الممتازة : مشكلتا الوجود والمعرفة في الفكر الإسلامي الحديث عند كلّ من الإمام محمد عبده ومحمد إقبال ، عطية سلمان عودة أبو عاذرة ، دار الحداثة ، بيروت 1985 ، ص 171 فما بعد .