السيد كمال الحيدري
79
الإنسان بين الجبر والتفويض
إنّ هذا التغيير على صعيد الواقع وإن كان يملي إعادة النظر بالمتبنّيات الفكرية على صعيد الموقف من الفعل الإنساني واستئناف الرؤية بعقيدة الجبر ، إلّا أنّه ينبغي أن لا نبالغ بالمسألة ، إذ ما يزال المبدأ الجبري يشعّ بتأثيراته على سلوك المسلمين ، ولم تتحرّر منه بالكامل حتّى حركات التغيير السياسي والاجتماعي وتنظيمات الإسلام الحركي . أمّا بشأن الشيخ عبده ، فإنّ غالب الدراسات في المجال الإحيائي وفي تأريخ فكر النهضة تنسب إليه تحوّلًا نظرياً يصل إلى مستوى الانقلاب النظري على المبدأ الجبري رغم أشعريته . ففي واحدة من هذه النصوص نقرأ لعبده قوله : « إنّ القول بالجبر قول طائفة ضئيلة انقرضت وغلب على المسلمين مذهب التوسّط بين الجبر والاختيار ، وهو مذهب الجدّ والعمل » « 1 » . في نصٍّ آخر يتوغّل في مرتكزات الفكرة أكثر ليسجِّل صراحة أنّ : « واهب الوجود يهب الأنواع والأشخاص وجودها على ما هي عليه ، ثمّ كلّ وجود متى حصل كانت له توابعه ، ومن تلك الأنواع الإنسان ، ومن مميّزاته حتّى يكون غير سائر الحيوانات أن يكون مفكِّراً مختاراً في عمله على مقتضى فكره ، فوجوده الموهوب مستتبع لمميّزاته هذه » « 2 » .
--> ( 1 ) رسالة : هل نحن مسيّرون أم مُخيّرون ، ص 11 نقلًا عن : الإلهيّات ، مصدر سابق : ص 606 . ( 2 ) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 1972 : ج 3 ، ص 388 - 389 .