السيد كمال الحيدري
78
الإنسان بين الجبر والتفويض
« المباحث المشرقية » يدلّ على هذا التحوّل ، قدَّم له بقوله : « والعجب من إمام الباحثين المناظرين كيف جرى الحقّ على لسانه ، ورجع عن إصراره على نصرة مذهب الأشعري » « 1 » . التململ المعاصر لقد شهد الاتّجاه الأشعري الجبري تململًا على الصعيد النظري تجلّى في جهود عدد من العلماء المعاصرين البارزين ، اكتسب أحياناً لون الانقلاب النظري الكامل على النظرية الجبرية ، كما هو الحال مثلًا مع الشيخ محمّد عبده ( 1266 - 1323 ه - / 1849 - 1905 م ) الذي جرّأت صيحاته ضدّ الجبر ، من جاء بعده ودفعتهم إلى مواقف أكثر صراحة ساهمت في تأسيس ما يشبه بالاتّجاه النظري المناهض لمبدأ الجبر بين المعاصرين . أمّا عمليّاً فقد تخطّى الواقع الإرهاصات النظرية في الإطاحة بمدلولات الجبر ، فتيّارات العمل الاجتماعي والسياسي وحركات التغيير والإصلاح في العالم الإسلامي السنّي وجدت نفسها مضطرّة اليوم للعمل بمبدأ السببيّة لكي تعطي قيمة لفعلها ، ويكون بمقدورها أن تلج حقل العمل السياسي والاجتماعي بعقلية سببيّة سننيّة منظّمة ، وهذا ما هو حاصل على أرض الواقع ، بغضّ النظر عن طبيعة المتبنّيات الفكرية في المجال العقَدي .
--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ، ص 386 .