السيد كمال الحيدري
73
الإنسان بين الجبر والتفويض
بعبارة أوضح لقد جاءت نظرية الكسب كبادرة تصحيحيّة للجبر المحض ، ومحاولة للتخفيف من لوازمه الخطيرة في المجالات كافّة ، من خلال إيجاد موازنة بين الفعل والإنسان ، إذ بقيت الأشعرية متمسّكة في مجال الفعل بموقفها القاضي أنّ الله سبحانه خالق أفعال الإنسان حقيقة ، وأنّ الإنسان مكتسب لها . هذا ما رامته النظرية ، أمّا مدى ما حقّقته من نجاح فهو أمر يرتبط بتقويمها أكثر ممّا يرتبط بالأماني والادّعاءات . إنّ أوّل ما تواجهه نظرية الكسب الاختلاف الكبير الذي ثار في معناها عند أهل النظرية أنفسهم . فقد اختلفوا في المراد منها اختلافاً كبيراً ، وصاروا مذاهبشتّى بحيث اكتسبت تفاسير واتّجاهات متعدّدة . في هذا الضوء ما ذكرهالشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء ( ت : 1373 ه - ) في كتاب أصدره قبل ما يناهز المئة عام من الآن ، في معرض مناقشته للغزالي حيث يقول : « وكان الغزالي بناها على ما هو الأصل هناك عنده وعند إخوانه الأشاعرة ، من أنّ الأفعال ليست من فعل العباد بل من فعله تعالى وللعباد فيها ( الكسب ) ، ذلك اللفظ الذي لم يظهر إلى اليوم حقيقة معناه على الوجه الذي يذهبون إليه ، ولا نفهم كعامّة أهل اللسان من قوله تعالى : فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ( الشورى : 30 ) وأمثالها إلّا المعنى الجليّ الظاهر ، وهو ما فعله الإنسان وحصّله بإرادته ومباشرته ، وهم يريدون منالكسب سوى ذلك » « 1 » .
--> ( 1 ) الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية ، مصدر سابق : ج 2 ، ص 27 .