السيد كمال الحيدري
66
الإنسان بين الجبر والتفويض
لينتهي إلى مدلول عامّ ينتظم الجميع . أمّا إذا عجز الاتّجاه الجبري عن تقديم مثل هذا المركّب النظري والصياغة الموحّدة التي تجمع بين المدلولات ، فذلك لا يسوّغ الجنوح إلى الجبرية ، ولن يكون بحال دليلًا على صحّة دعواها . بهذا تلتقي الدراسات الكلامية التاريخية مع المعاصرة في هدم الدليل القرآني المزعوم الذي تحتمي وراءه الجبرية 2 . مستوى المنظومة الدينية في الحقيقة : إنّ الالتزام بالنظرية الجبرية يفضي إلى تصديع بل تقويض أركان أساسية في المنظومة الدينيّة ذاتها ، بحيث لا يكاد يسلم شيء من قواعدها . فإذا كان الله سبحانه هو الذي يفعل الفعل ، فلماذا يبعث الأنبياء والرسل ؟ فالذي يلزم من الجبر أنّه لا معنى لبعث الرسل ولا غاية للشرع ولا جدوى للتكليف ، بل يكون ذلك كلّه لغواً وباطلًا ، وإذا بطل هذا يلزم منه بطلان الثواب والعقاب ، والوعد والوعيد ، وكذلك تساوي المذنب والمسيء ؛ إذ لا فرق بينهما ، لأنّ الفعل الذي يصدر من المذنب هو فعل الله ، والذي يصدر من المطيع هو فعل الله أيضاً ، فما الفرق بين المحسن والمسيء ؟ كما يلزم من القول الجبري أن تفتقد جميع الأوامر والنواهي إلى المداليل الجدّية ، إذ ستكون كلّها صورية لا واقع من ورائها . والأخطر من ذلك كلّه أنّ المنظومة الدينيّة تتعرّض مع المقالة الجبرية إلى تقويض أسّها الركين بسدّ باب إثبات الصانع ، والاستدلال على