السيد كمال الحيدري

176

الإنسان بين الجبر والتفويض

إلى أنّ الله سبحانه فاعل قريب ؛ انتهى للقول : « ولا منافاة بين كونه تعالى فاعلًا قريباً كما يفيده هذا البرهان ( المستند إلى الحكمة المتعالية ) وبين كونه فاعلًا بعيداً ( المستند للفلسفة المشائية ) كما يفيده البرهان السابق المبني على ترتّب العلل وكون علّة الشيء علّة لذلك الشيء ، فإنّ لزوم البعد مقتضى اعتبار النفسية لوجود ماهيات العلل والمعلولات ، علىما يفيده النظر البدويّ ، والقرب هو الذي يفيده النظر الدقيق » « 1 » . تبقى إشارة أخيرة ، فإذا كان مألوفاً أن تنسب القراءة الثانية في تفسير الأمر بين الأمرين إلى الشيرازي ( ت : 1050 ه - ) ومَنْ جاء بعده من أتباع مدرسته وآخرين فإنّ للشيخ جعفر سبحاني رأياً ذهب فيه إلى أنّ الشيخ المفيد ( ت : 413 ه - ) هو في طليعة من عرض هذه القراءة ، حتّى أنّه يذكر بأنّ المثال العرفي الذي يسوقه الطباطبائي لتوضيحها قد أخذه من المفيد ، على ما يذكر الطباطبائي نفسه في دروسه . يقول سبحاني بهذا الصدد وبعد أن ينتهي من عرض القراءة الأولى : « إنّ بعض المحقّقين من الإمامية وفي مقدّمتهم معلّم الأمّة الشيخ المفيد ، وبعده صدر المتألّهين وتلاميذ نهجه يرون الموقف أدقّ من ذلك ، ويعتقدون أنّ للفعل نسبة حقيقيّة إلى الله سبحانه ، كما أنّ له نسبة حقيقيّة إلى العبد ، ولا تبطِل إحدى النسبتين الأخرى » « 2 » .

--> ( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : ص 301 . ( 2 ) الإلهيّات ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 692 .