السيد كمال الحيدري

172

الإنسان بين الجبر والتفويض

يظهر لك أنّ الأفعال الصادرة عن العباد هي بعينها فعل الحقّ ، لا كما يقوله الجبري ، ولا كما يقوله القدَري ، ولا أيضاً كما يقول الفلسفي « 1 » ، فانظر إلى أفعال المشاعر والقوى التي للنفس الإنسانية حيث خلقها الله تعالى مثالًا ، ذاتاً وصفةً وفعلًا ، لذاته وصفاته وأفعاله . واتلُ قوله تعالى : وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ( الذاريات : 21 ) ، وقول رسول الله صلى الله عليه وآله : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » ، فإنّ التحقيق عند النظر العميق أنّ فعل كلّ حاسّة وقوّة - من حيث هو فعل تلك القوّة - هو فعل النفس . فالإبصار مثلًا فعل الباصرة لأنّه إحضار الصورة المبصرة أو انفعال البصر بها ، وكذلك السماع فعل السمع لأنّه إحضار الهيئة المسموعة أو انفعال السمع بها ، فلا يمكن شيء منهما إلّا بانفعال جسماني ، وكلّ منهما فعل النفس بلا شكّ لأنّها السميعة البصيرة بالحقيقة ، لا كما اشتهر في الحكمة الرسمية : أنّ النفس تستخدم القوى فقط كمن يستخدم كاتباً أو نقّاشاً إلّا أنّ الاستخدام هاهنا طبيعيّ وهناك صناعيّ . وفي المشهور زيف وقصور ، فإنّ مستخدم صانع فعل لا يكون بمجرّده صانعاً لذلك الفعل ، فمستخدم البنّاء لا يلزم أن يكون بنّاءً ، وكذا مستخدم الكاتب لا يلزم كونه كاتباً ، فكذا مستخدم القوّة السامعة والباصرة لا يجب أن يكون سميعاً وبصيراً ، مع أنّا نعلم إذا راجعنا إلى وجداننا أنّ نفوسنا هي بعينها المدرك الشاعر في كلّ إدراك جزئيّ وشعور حسّي ، وهي بعينها المتحرّك بكلّ حركة حيوانية أو

--> ( 1 ) أي أنّه فاعل بالتسبيب على ما هو عليه موقف الفلسفة المشائية .