السيد كمال الحيدري
162
الإنسان بين الجبر والتفويض
يتمثّل في أنّ الله سبحانه ليس فاعلًا بعيداً - كما كانت تذهب إليه القراءة الأولى - بل هو فاعل قريب ومباشر ، لكن مرّة أخرى مع حفظ الجهة ؛ حذر الوقوع في خطأ التصوّر بوحدة النسبة ، بحيث يُظنّ أنّ كلّ ما ينسب إلى الإنسان من طاعة ومعصية ، وشرب وأكل وغيرها من الأمور ينسب إلى الله أيضاً . كلّا ، وقد مرّ علينا تعبير الطباطبائي : « أقول : للأفعال جهتان ، جهة ثبوت ووجود ، وجهة الانتساب إلى الفاعل . وهذه الجهة الثانية هي التي تتّصف بها الأفعال بأنّها طاعة أو معصية ، أو حسنة أو سيّئة » « 1 » . مثال عرفي هناك مثال عرفيّ لتصوير نظرية الأمر بين الأمرين في ضوء هذه القراءة يبدو أنّ أوّل من ساقه هو الشيخ المفيد ( 336 - 413 ه - ) « 2 » ، ثمّ عاد السيّد الطباطبائي إلى ذكره ، وهو يقول : « فَمَثَلُ هذا مثل المولى من الموالي العرفية يختار عبداً من عبيده ويزوّجه إحدى فتياته ثمّ يقطع له قطيعة ويخصّه بدار وأثاث وغير ذلك ممّا يحتاج إليه الإنسان في حياته إلى حين محدود وأجل مسمّى ، فإن قلنا إنّ المولى وإن أعطى لعبده ما أعطى ، وملّكه ما ملك فإنّه لا يملك ، وأين العبد من الملك ! كان ذلك قول
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 101 . ( 2 ) يقول الشيخ جعفر سبحاني عن نسبة هذا المثل : « ما ذكره معلِّم الامّة الشيخ المفيد على ما حكاه عنه العلّامة الطباطبائي في محاضراته ، ولم أقف عليه في كتب الشيخ المفيد » ثمّ يسوق المثال بعينه . ينظر : الإلهيات : ج 1 ، ص 629 .