السيد كمال الحيدري
161
الإنسان بين الجبر والتفويض
له » « 1 » . يكشف هذا النصّ عن مسعىً لتأسيس قراءة جديدة للأمر بين الأمرين يقوم على أساس نظرية الإمكان الفقري والوجودي لصدر الدين الشيرازي ، التي ترى في عالم الإمكان وجوداً في غيره لا وجوداً في نفسه - كما يذهب إلى ذلك الاتّجاه الفلسفي المشائي الذي تستند إليه القراءة الأولى - . هكذا تغدو نسبة الفعل إلى الفاعل المباشر وإلى الله نسبة حقيقية . فالله سبحانه مقوّم لكلّ وجود في مرتبة ذلك الوجود وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ ( الحديد : 4 ) . فهذه المعيّة هي المعيّة القيّومية ، أو هو سبحانه - كما قال الإمام أمير المؤمنين - : « داخل في الأشياء لا بممازجة ، وخارج عنها لا بمزايلة » . وهذه البينونة هي كما يقول : « بينونة صفة لا بينونة عزلة » . فإذن كما يسند الفعل إلى هذا الوجود الربطي يسند أيضاً إلى ذلك الوجود الاسمي القائم به هذا الوجود ، لكن كلّ بحسبه ، فالأوّل باعتبار أنّه قائم في غيره ، والثاني باعتبار أنّه قائم بذاته . هذا المعنى يمكن أن نلمحه في كلام للإمام أمير المؤمنين عليه السلام عندما يصف عالم الإمكان أو الوجود الإمكاني بأنّه قائم في سواه و « كلّ قائم في سواه معلول » . « 2 » على هذا يتبيّن أنّ الركن الوثيق لهذه القراءة للأمر بين الأمرين
--> ( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : ص 301 . ( 2 ) نهج البلاغة ، وهو مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام سيّدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، شرح الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبدة مفتي الديار المصرية سابقاً ، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت - لبنان : الخطبة : 186 .