السيد كمال الحيدري
142
الإنسان بين الجبر والتفويض
غير هذا لضربت عنقك » « 1 » . ما يتّضح من هذين النصّين الروائيين - وغيرهما أيضاً - أنّ مقولة الأمر بين الأمرين التي أطلقها أئمّة أهل البيت عليهم السلام لتحديد الموقف من الفعل الإنساني في نسبته إلى الله سبحانه وإلى الإنسان ، وفي التمييز بين الجبر والتفويض ، لا تعني أنّ نصْف الفعل للإنسان ونصفه الآخر لله على نحو الشراكة بينهما ، أو أنّ نصفه تفويض ونصفه جبر . فالتصوّر الأوّل شرك ، والثاني لا يحلّ المشكلة بل يزيدها التباساً وتعقيداً . فالجمع بين الجبر والتفويض ليس حلًّا ولا حقّاً ؛ لأنّه من غير المعقول الجمع بين المستحيلين . ما ترمي إليه نظرية الأمر بين الأمرين هو أن لا يكون الفعل الإنساني في فعل الله مباشرة ، بحيث يسند إلى الله مباشرة ولا يسند إلى الإنسان ، ولا أن يسند إلى الإنسان فقط ولا يسند إلى الله ، بل المقصود أنّ الفعل الإنساني يسند إلى الإنسان ويسند إلى الله سبحانه أيضاً ، لكن مع حفظ الجهتين ، وفي إطار ما مرّ ذكره تفصيلًا من أنّ لكلّ فعل جهتين ؛ جهة ثبوت ، وجهة أخرى مسندة إلى الفاعل . فالفعل الإنساني وإن كان يصدر بقدرة الإنسان نفسه ، إلّا أنّه يكون بإقدار الله الدائم الذي لا ينقطع ، ففي كلّ لحظة وآن هناك تمليك وإقدار من الله للإنسان ، فيسند الفعل إلى الإنسان وإلى الله مع حفظ الجهتين وفاقاً لما سلفت إليه الإشارة مفصّلًا .
--> ( 1 ) التوحيد ، ص 363 ؛ بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 5 ، ص 39 ، ح 61 والنصّ عن بحار الأنوار .