السيد كمال الحيدري
124
الإنسان بين الجبر والتفويض
لكن عندما ننتقل إلى مستوى التحليل الفلسفي نجد أنّه انطلق مع المسألة من بُعد آخر يختلف تمام الاختلاف عن النقطة التي انطلق منها البحث الكلامي . فالبحث الفلسفي لم يقف عند فاعل الفعل ، بل تخطّى ذلك لتحديد الموقف من قضية الاختيار . فسواءً أكان الفعل صادراً عن الله أو عن الإنسان أو عنهما معاً ، أتراه يصدر اختياراً أم بلا اختيار ؟ هذا البُعد يوضّحه السيّد الصدر بقوله : « المسألة الفلسفية : وروح البحث فيها يرجع إلى أنّ فاعل هذه الأفعال سواء فرضناه في المسألة الأولى ( الكلامية ) الإنسان أو الله أو هما معاً ، هل تصدر منه اختياراً أو بلا اختيار » « 1 » . فقد يكون مبدأ الفعل هو الإنسان ، لكن الفعل نفسه ليس فعلًا اختيارياً ، وإنّما هو يصدر على نحو الفواعل الطبيعيّة ، تماماً كالإحراق الذي يصدر عن النار ، بيدَ أنّه ليس فعلًا اختياريّاً للنار بل هو فعل طبيعي لا دور فيه للاختيار . في ضوء هذا التمييز يستنتج الصدر عدم كفاية البحث الكلامي وحده وينبّه إلى ضرورة استكماله بالبحث الفلسفي ، وهو يقول : « من هنا نعرف أنّ المسألة الكلامية لا تكفي وحدها لحسم النزاع في بحث الجبر والاختيار ، فلنفرض أنّنا قلنا هناك بأنّ الفاعل هو الإنسان وحده ، لكن يبقى احتمال كونه فاعلًا بلا اختيار كفاعلية النار للإحراق » « 2 » . كما يقول موضّحاً المعنى ذاته في موضع آخر : « إنّ مجرّد اختيار المذهب
--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 28 . ( 2 ) بحوث في علم الأصول ، مصدر سابق : ج 2 ، ص 28 .