السيد محمد تقي المدرسي
33
ليلة القدر معراج الصالحين
مثل هذه الساعات من هذه الليلة الربّانية ، ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر هي الساعات الأكثر قرباً من تلك الساعة . فإنك حين تعدّ ألف شهر ، وتصبّها في قالب السنين ، تجد أنّ هذه الشهور تساوي بعدّتها ما يقارب اثنين وثمانين عاماً ، فليلة واحدة من هذه الليالي العطرة المباركة بالرحمة والمغفرة تعادل كفّتها في الميزان كفّة العمر كلّه ، بل وتزيد عنه خيراً ، كما يقول تعالى : خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ( القدر / 3 ) ولست أبالغ إذا قلت إنّ ساعة من هذه الليلة التي تبدأ من غروب الشمس إلى طلوع خيط الفجر إذا ما نظر إليك فيها الربّ الكريم الرؤوف الرحيم من فوق عرشه الذي استوى عليه ، نظرةً ملؤها الرحمة والرأفة ، فسوف تصبح حينئذ أسعد إنسان ، ويحقّ لي أن أغبطك على بلوغ هذه الدرجة ، إذ ستنتقل بوثيقة الرحمة الإلهية من صفّ المطرودين المنبوذين الآيسين من روح الله ورحمته إلى صف أولئك المحصّنين بحصن الله الذي لا حصن أقوى منه . ففي تلك الساعة تكون قد دخلت عالم رحمة الله الواسعة من الباب الذي فتحه لك سبحانه ودخلت من خلاله في حصنه المنيع . التفكّر خير من العبادة لقد ورد في الحديث الشريف : " تفكّر ساعة خير من عبادة سنة " ، « 1 » فأنت قد تعمّر سبعين عاماً تعبد الله فيها ولكن من غير توجّه تام أو تفكّر وتبصّر ، ولكنك حين تعبد الله ساعة لا ينقطع فيها تفكيرك ، وتوجّهك ، واتصال كيانك بالله من خلال شعورك وعقلك وبدنك ، فتلك هي العبادة الحقّة التي ربّما تعادل سنّي عمرك السبعين التي قضيتها في العبادة .
--> ( 1 ) بحار الأنوار ، ج 68 ، ص 327 .