السيد محمد تقي المدرسي

149

في رحاب الايمان

الايمان مغادرة الذات : بعد هاتين المقدمتين ندخل في صلب الموضوع ونتساءل مرة أخرى ؛ ما هو الايمان ؟ للجواب على هذا السؤال نقول ؛ الايمان هو ان يخرج الانسان من ذاته وهواه وشهواته ومصالحه إلى رحاب الحق ؛ اي ان يسلم الانسان للحق طواعية ومن دون اكراه ، فالايمان ليس علما وليس عملا ، بل هو علم وعمل ، فعندما يلتقي العلم بالعمل ، وعندما تلتقي بصيرة الانسان بسلوكه ، في لحظة الالتقاء هذه يحدث ما نسميه ب ( الايمان ) ، فالصلاة مثلا من دون قناعة لاتمثل الايمان ، والقناعة من دون الصلاة لاتصدر عن الايمان أيضا . وعلى هذا فان لحظة التلاقي بين بصيرة الانسان ورؤيته وبين حركته وسلوكه ، هذه اللحظة هي التي نعبر عنها ب ( الايمان ) ، فالايمان هو تسليم الانسان لله عز وجل ولكل الحقائق التي يأمرنا بها ، فالايمان لا يمكن ان يتجزأ لأنه في الواقع حالة التسليم والذوبان والانقياد لان الانسان لا يملك نفسين ولا قلبين حتى يؤمن هذا القلب بشيء ، ويؤمن القلب الآخر بشيء آخر . ولايضاح هذه الحقيقة نضرب المثال التالي : لنفرض ان هناك انسانا يبعّض الدين ، اي يأخذ منه ما يوافق مصالحه واهوائه وشهواته ، فهل هذا الانسان مؤمن حقا أم لا ؟ اننا لو تمعنا في سلوكه لوجدنا انه يؤمن بشيء واحد هو المصالح والشهوات ، اما الشيء الآخر وهو الدين فإنما يؤمن به تبعا لتلك المصالح والشهوات ، فهو اذن يؤمن بنفسه كما يقول تعالى : أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ( الفرقان / 43 ) ، فهو يعبد نفسه ، ومن الخطأ ان نقول إن هذا الانسان مؤمن بالله عز وجل ، لأنه لا يؤمن بالخالق الا إذا اقتضت مصالحه ،