السيد محمد تقي المدرسي

54

معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات)

تعني مجرد الأكل والشرب ، حيث قد يتحققان بمجرد تناول قرص رغيف‌وجرعة ماء . . بل المائدة المقصودة سفرة ممدودة وخوان متسع يجتمع الناس حوله ليأكلوا ويشبعوا من طيبه السماويالمقدس . مائدة من السماء ولذلك نجد أن سورة قرآنية كاملة ، وهي آخر سور القرآن الكريم التي نزلت على صدر نبينا محمدصلى الله عليه وآله وسلم ، وهي التيتنسخ سائر السور ولا ينسخها شيء ، قد سميت باسم سورة المائدة ، وذلك لقصة تأريخية محورها نبي اللَّه عيسى بن مريم‌عليهما السلام والحواريون الذين نصروا نبيهم وكانوا بيضاً في ظاهرهم وباطنهم ، حيث اجتمعوا حول نبيهم قائلين له : ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِنَ السَّمآء ) . وهذه المقولة رمز لتلكم الفكرة الجميلة التي تتنزل من‌السماء فيجتمع الناس حولها . ولا تفوتنا الإشارة هنا إلى أن تساؤل الحواريين بقولهم هل يستطيع ربك لا يعني تشكيكهم أو كفرهم بقدرة اللَّه‌سبحانه وتعالى ، بقدر رغبتهم في معرفة هل أن ما يطلبونه مناسب إلى اللَّه . . . وكان أول شيء واجههم به النبي عيسىعليه السلام هو قوله : ( اتَّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ) أي أنكم إذا كنتم تريدون‌مائدة من السماء فعليكم بالتمحور حول مبدأ وثقافة التقوى التي هي أفضل مائدة وأطيب كلمة . ولم يكن أمام الحواريين الذين تربوا في ظل الرعاية النبوية إلّا التسليم لهذه الحقيقة الربانية ، ولكنهم في الوقت نفسه‌تمادوا في الاستكثار من الطلب ، حيث طلبوا إلى نبيهم أن يسأل اللَّه لأن ينبئهم بقبول تقواهم وعبادتهم فينزل عليهم‌المائدة لكي تتجسد التقوى في شيء ملموس يرونه ، فكان أن قالوا : 1 / ( نُرِيدُ أَن نَأْكُلَ مِنْهَا ) ومن الطبيعي أنهم لم يكونوا جياعاً حتى يطلبوا أكلًا