السيد محمد تقي المدرسي
55
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات)
لمجرد إشباع بطونهم ، بل إنالأكل من المائدة السماوية الإلهية ليتجسد لديهم رمز المحبة بينهم وبين اللَّه . وبعبارة أخرى ؛ إنهم طلبوا من النبيعيسىعليه السلام أن يحملهم إلى ضيافة اللَّه بشكل مباشر وملموس ، تماماً كما يستضيف اللَّه أمة نبيه محمدصلى الله عليه وآله وسلم في شهر رمضانالكريم ، حيث يضاعف اللَّه على المسلمين بركاته ونعمه ورحماته في شهر الصيام . 2 / والأهم من الأكل الظاهري هو أنهم قالوا : ( وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ) إذ نحن - الحواريون - مؤمنون بأنك روحاللَّه وكلمته وأن الكتاب والحكمة قد أنزلها اللَّه عليك ، ولكننا نريد تكريس هذا الإيمان . فأن يسعى المرء إلى حقيقةيطمئن إليها قلبه ، فإنه في واقع الأمر يسعى إلى هدف مقدس . 3 / وبعد اطمئنان القلب ؛ قلب الحوارين لنبيهم ( قَالُوا نُرِيدُ أَن نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَاوَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ) ( المائدة / 113 ) فإنك - يا نبي اللَّه - حينما بشرتنا بالجنة ، نريد أن نرى شيئاً منهاعلى هذه الأرض ، وهذه كلها رموز لها مصاديقها ، تماماً كما بشر رسول اللَّهصلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين بالجنة وبشرهم أيضاً بأنهمسيكونون ملوكاً في الأرض أيضاً ، وقد تحقق لهم ذلك ، فصدقهم الرسول . 4 / وحينما يطمئن القلب ، ويتضاعف الإيمان بمزيد من العلم ، وتشبع البطن ، ويقوى الجسم ، هنالك يتوجب على المرءأكثر من أي وقت مضى أن يقوم بدوره التأريخي ، فيكرس كل جهده ليرفع راية كلمة السماء الطيبة ، فيشهد لها بينالناس ويحثهم على اتخاذها محوراً في حياتهم . 5 / وحينما اطمأن النبي عيسىعليه السلام إلى عهدهم دعا ربه بقوله : ( اللّهُمَّ رَبَّنَآ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِنَ السَّمَآءِ تَكُونُ لَنَاعِيداً لأَوَّلِنَا وءَاخِرِنَا وءَايَةً مِنكَ ) نظراً إلى أن اطمئنان القلب وتضاعف الإيمان وقوة الجسم يعني تجدد الحياة ، وهذا هو معنى العيد والعودة إلى ممارسة الواجبات وتحقيق المسؤوليات . وها هم المسلمون حينما يلتزمون بواجباتشهر الصيام ويستوعبون القدر الممكن من حكمته فإنهم يحتفلون بالعيد ،