السيد محمد تقي المدرسي
50
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات)
ولو نظرنا إلى تاريخ البشرية على الأرض منذ أهبط اللَّه تعالى آدم عليها ثم المضيّ نحو المستقبل الممتد البعيد ، فافترضناجدلًا - أن كل هذا التاريخ هو بمثابة يوم واحد ، لوجدنا أن هناك طفرات هائلة في مقاطع متقاربة جداً ومتداخلة منهذه المسيرة . وبعبارة أخرى ؛ لرأينا أنّ مسيرة التقدم الحضاري تتصاعد بشكل متسارع ، فلو أردنا قياس عمر هذاالتطوّر الإنساني وافترضناه يوماً واحداً فسوف يتضح لنا هذا التقدّم بالشكل التالي : في الساعات الأولى لم يكنالإنسان يعرف شيئاً ، وكان طبعه كطبع الحيوانات الوحشية ، ثم في الساعة الخامسة من هذا اليوم اكتشف الإنسان النار ، وبعدها بساعة اكتشف الزراعة ، ثم بعدها بساعة أو ساعتين ظهرت الحياة الاجتماعية ، وأقيمت المدن والقرى ، وبعدبضعة دقائق من تلك الساعة أقيمت الحضارات ، ثم اخترعت الماكنات والآلات ، وقامت الثورة الصناعية ، وبعد بضع ثوان صنعت المركبات الفضائية ، وتم غزو القمر . . . وهذه هي حركة التقدم البشري ، فهي بصورة متوالية هندسيةمعكوسة بالنسبة إلى العمر الزمني ؛ أي إنّ الإنسان استغرق سنين طوالًا ربما كانت قروناً حتى اكتشف النار ، ولكنالمسافة الزمنية بين اختراع الماكنة البخاريّة واكتشاف الذرة لم تكن إلّا قرنين ، ثم ما هي إلّا عشرات من السنين حتىوطأت قدماه أرض القمر . . وهذه هي مسيرة البشرية ، وانطلاقها السريع نحو الأمام . ونحن لو أمعنّا النظر مرة أخرى في الفترة الزمنية الأخيرة التي شهدت هذا التقدم الهائل والقفزات السريعة لوجدناهاأنها إنّما حدثت بعد أن بُعث النبي عيسىعليه السلام ، ثم نشطت بزخم أقوى بعد بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين النبي محمدصلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على أنّ رسالة الإسلام ، والمؤمنين الحقيقيين بها هم أصحاب البشارة الحقيقة ، والقفزاتالكبرى المترقبة .