السيد محمد تقي المدرسي
34
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات)
كانوا يدفعون مقداراً من المال ، أويتنازل الواحد منهم للمهاجرين عن الأرض والدار ، أو عن زوجته الثانية من خلال تطليقها ليتزوّجها المهاجر ، فإنهمع ذلك لا يستعظم ما قدّمه ، ولا يرى قيمة له ، فلا يلحق بما قدم مَنّاً ولا أدىً . 3 / الإيثار على النفس الصفة الثالثة تتمثل في قوله تعالى : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) ، وهذا هو منتهى العطاءوالجود في سبيل اللَّه تعالى . 4 / إيقاء النفس من الشح وتلك الصفات الثلاث تجمعها صفة واحدة أساسية يعبّر عنها القرآن الكريم بقوله : ( وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَهُمُ الْمُفْلِحُونَ ) . وكلمة ( من ) جاءت بحيث تحتمل الجمع ، وتحتمل الأفراد في نفس الوقت ، ولكنّ الكلمةالثانية ( يوق ) توحي بالمفرد ، لأن الإنسان عندما يوقى شحّ نفسه ، ويخرج من زنزانة ذاته ، فحينئذ سوف لا يكون إنساناً واحداً ، بل سيكون في رحاب الجمع ، ولا يلبث أن يصبح مجتمعاً ، ويتحول إلى حضارة . إن الإنسان الذي يوقى شحّ نفسه ، ويتحرّر من ذاتيته وأنانيته فإنه سيلحق بتجمّع الرساليين عبر التاريخ ؛ وينضمّ إلىصفوف شخصيّات عظيمة مثل آدم ، وإدريس ، ونوح ، وإبراهيم الخليل ، وموسى بن عمران ، وعيسى بن مريم ، ونبينامحمدصلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهارعليهم السلام وسيلتحق بركب الحضارة التاريخية ، ولذلك قال تعالى : ( وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِفَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ، وهذه هي الصفة الأساسية التي تتفرّع منها سائر الصفات . إننا إذا أردنا أن نعرف أنفسنا ، وهل نحن في عداد هؤلاء الأشخاص الرساليين ، فإن مقياسنا في ذلك هو الصفاتالفرعية ، فإن كان الواحد منا محباً للمهاجرين ، ولا يجد في صدره حاجة مما أوتي ، وكان مؤثراً على نفسه ولو كان به خصاصة ،