السيد محمد تقي المدرسي
29
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات)
وأتذكر في أخريات حياة المرحوم والدي رحمه الله كان يجتهد في بناء بيت لأحد الأقارب ، وكان يهتم كثيراً بهذا الأمر وهو كبير السن قد تجاوز الثمانين ، فقلت له : سيدنا ! كيف تتعب نفسك وأنت في هذا العمر ؟ فقال - رحمه اللَّه - : إنه ليس لي أجر في الدنيا من ورائه ، ولكن أريد أن يجلس الأقارب فيه ثم يترحّمون عليَّ بعد وفاتي . إن الحياة التي ألفها المؤمنون سابقاً كانت مشفوعة بالتعاون والتواصل ، فكان الناس ينظفون طرقهم بأيديهم - ولم تكن في السابق مديرية البلدية - وكان يضع كل منزل مشكاةً ومصباحاً فوق داره ليضيء الدار وطريق المارة ، وكانوا يتسابقون في إماطة الأذى عن طريق الناس . . ( وَلا تُفْسِدُوا فِي الارْضِ بَعْدَ اصْلَاحِهَا ) ( الأعراف / 56 ) إنك ترى في بعض بلداننا كراسي حافلات نقل الركاب ملوثة وأعقاب السجائر مرمية هنا وهناك ، وكأن الناس قد نسوا الحديث الشريف الذي قاله الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : ( النظافة من الايمان ) « 1 » . الحضارة الإلهية ؛ قمة الرقي المعنوي والمادي إن بلادنا الإسلامية ينبغي أن تكون أرقى بلدان العالم على كافة النواحي والأصعدة كافة ، سواء في مجال الصناعة والزراعة والتكنولوجيا ؛ بل يجب أن نحوز على الرقم القياسي في هذا المجال ، وذلك لأن المؤمن هو الذي يعمر دنياه ببواعث الآخرة ، لأن الدنيا في رؤيته مزرعة الآخرة ، ولهذا نحن عندما نراجع مصارف الزكاة في سبيل اللَّه في الكتبالفقهية - ككتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلي - نرى أنواع المصارف المتعددة لهذه الفريضة ، كبناء القناطر والجسور والطرقات والمدارس والمساجد . فالمسجد أو الجسر لا يختلف ثواب بنائه عن الآخر .
--> ( 1 ) - بحار الأنوار ، ج 59 ، ص 291