السيد محمد تقي المدرسي
24
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات)
الجهاد وراء ظهره متصوراً أن ذلك سوف ينجيه من نار جهنم . التدافع سنة إلهية إن اللَّه سبحانه وتعالى يؤكد في كتابه الكريم على حقيقة ( التدافع ) كسنة إلهية ، فيقول : ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِالنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَاللَّهَ لَقَويٌ عَزِيزٌ ) ( الحج / 40 ) . إن المساجد بحاجة إلى رجال يدافعون عن حريمها وحرمتها ، فاللجوء إلى قمةجبل والانشغال بالعبادة وترك المجتمع يتضور جوعاً ويتعرض إلى الجهل والاستعباد ، إن هذا العمل ليس له قيمة عنداللَّه سبحانه . وقد روي أنه لما توفي ابنٌ لعثمان بن مظعون فاشتد حزنه عليه حتى اتخذ من داره مسجداً يتعبد فيه ، فبلغ ذلك رسولاللَّهصلى الله عليه وآله وسلم فأتاه فقال له : ( يا عثمان ؛ ان اللَّه تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانية ، إنما رهبانة أمتيالجهاد في سبيل اللَّه . . ) « 1 » وقالصلى الله عليه وآله وسلم : ( سياحة أمتي الجهاد ) « 2 » ، فالدين الذين لا يتدخل فيالشؤون الاجتماعية والسياسية للمجتمع لا يمكن أن يحقق أهدافه المرجوة ، حتى النبي عيسىعليه السلام لم يكن ديدنه - كمايتصور البعض خطأ - الرهبنة وترك الدنيا ، بل إنها ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ) ( الحديد / 27 ) . إن الرهبانية التي يراها الرسول الأكرمصلى الله عليه وآله وسلم هي التوكل على اللَّه والدفاع المستميت عن قيم السماء ، عبر الجهاد في سبيل اللَّه ومقاومة الظلم ومحاربة الأعداء . وهذا هو المعنى الحقيقي للرهبنة التي يقول فيها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ( رهبانية أمتي الجهاد ) . . أي أن قيمة التسامي والتقرب إلى اللَّه تكمن في جوهر التصدي لقيم الزيف والزيغ والباطل ؛ بل حتى سياحة الإنسان المؤمن وفرحه وانسه تكمن في الذود عن
--> ( 1 ) - بحار الأنوار ، ج 8 ، ص 170 ( 2 ) - المصدر ، ج 40 ، ص 328