السيد محمد تقي المدرسي

35

الإمام الجواد (ع) قدوة وأسوة

تُوُفِّيَ المأمون العباسي ودُفِنَ في ضاحية طرسوس ، فأخذ المعتصم أزمّة الحكم ، وراح يُثبت حكمه بكل قدر مستطاع ، ففكر في أن الإمام الجواد وهو صهر الخليفة الراحل وسيد الشيعة وهم قوة جبارة في الأمة ، قد يُشكِّل خطراً ما على الدولة فأشخصه من المدينة إلى بغداد ، لا لشيء إلَّا لكي يكون الإمام تحت مراقبته الشخصية ، ونزح الإمام للمرة الثانية إلى بغداد ، وبقي فيها مبتعداً عن البلاط الملكي مشتغلًا بالشؤون العامة ، وذلك في الفترة ما بين ( 28 محرم الحرام سنة 220 ه و 29 ذي القعدة الحرام من السنة نفسها ) حيث وافته المنية بسم دُسَّ إليه من قبل السلطة بإشارة من الخليفة المعتصم بالله ، وقصة ذلك حسبما رواها المؤلف القدير العياشي عن خادم ابن أبي داود وصاحب سره الذي كان يُسمى ( ونان ) ، وابن أبي داود هذا كان قاضياً شهيراً في بغداد ، قال : « رَجَعَ ابْنُ أَبِي دُوَادٍ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ عِنْدِ المُعْتَصِمِ وَهُوَ مُغْتَمٌّ ، فَقُلْتُ لَهُ : وَلِمَ ذَاكَ ؟ قَالَ : لِمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْأَسْوَدِ ( أي أبي جعفر الجواد عليه السلام ) بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ ، قَالَ : قُلْتُ لَهُ : وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : إِنَّ سَارِقاً أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالسَّرِقَةِ وَسَأَلَ الْخَلِيفَةَ تَطْهِيرَهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، فَجَمَعَ لِذَلِكَ الْفُقَهَاءَ فِي مَجْلِسِهِ وَقَدْ أَحْضَرَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ ، فَسَأَلَنَا عَنِ الْقَطْعِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ يَجِبُ أَنْ يُقْطَعَ ؟ قَالَ : فَقُلْتُ مِنَ الْكُرْسُوع ( أي المفصل بين الكف والذراع ) ، قَالَ : قُلْتُ : لِأَنَّ الْيَدَ هِيَ الْأَصَابِعُ وَالْكَفُّ إِلَى الْكُرْسُوعِ لِقَوْلِ اللهِ فِي التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ « 1 » . وَاتَّفَقَ مَعِي عَلَى ذَلِكَ قَوْمٌ ، وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ يَجِبُ الْقَطْعُ مِنَ الْمِرْفَقِ ،

--> ( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 6 .