السيد محمد تقي المدرسي

39

الإمام الرضا (ع) قدوة وأسوة

يشير الطغاة عادة إلى بطانتهم من الاعتراف بحق معارضيهم ، وذلك عندما تستيقظ ضمائرهم ولو لفترة محدودة . وهكذا يروي المأمون أنه إنما تشيّع على يد والده . وقد أسرّ المأمون إلى بعض خواصه بالسبب الذي دعاه إلى هذا الأمر ، فعَنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ قَالَ : « أَكْثَرَ النَّاسُ فِي بَيْعَةِ الرِّضَا عليه السلام مِنَ الْقُوَّادِ وَالْعَامَّةِ وَمَنْ لَا يُحِبُّ ذَلِكَ ، وَقَالُوا : إِنَّ هَذَا مِنْ تَدْبِيرِ الْفَضْلِبْنِ سَهْلٍ ذِي الرِّئَاسَتَيْنِ ، فَبَلَغَ المَأْمُونَ ذَلِكَ فَبَعَثَ إِلَيَّ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ، فَصِرْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا رَيَّانُ ! بَلَغَنِي أَنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ : إِنَّ بَيْعَةَ الرِّضَا عليه السلام كَانَتْ مِنْ تَدْبِيرِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ ؟ فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! يَقُولُونَ هَذَا ، قَالَ : وَيْحَكَ يَا رَيَّانُ ! أَيَجْسُرُ أَحَدٌ أَنْ يَجِيءَ إِلَى خَلِيفَةٍ قَدِ اسْتَقَامَتْ لَهُ الرَّعِيَّةُ وَالْقُوَّادُ وَاسْتَوَتْ لَهُ الْخِلَافَةُ فَيَقُولَ لَهُ : ادْفَعِ الْخِلَافَةَ مِنْ يَدِكَ إِلَى غَيْرِكَ ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي الْعَقْلِ ؟ قُلْتُ لَهُ : لَا وَاللهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا يَجْسُرُ عَلَى هَذَا أَحَدٌ ، قَالَ : لَا وَاللهِ مَا كَانَ كَمَا يَقُولُونَ ، وَلَكِنْ سَأُخْبِرُكَ بِسَبَبِ ذَلِك . أَنَّهُ لَمَّا كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدٌ أَخِي يَأْمُرُنِي بِالْقَدُومِ عَلَيْهِ فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ ، عَقَدَ لِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُقَيِّدَنِي بِقَيْدٍ وَيَجْعَلَ الْجَامِعَةَ فِي عُنُقِي ، فَوَرَدَ عَلَيَّ بِذَلِكَ الْخَبَرِ وَبَعَثْتُ هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ إِلَى سِجِسْتَانَ وَكِرْمَانَ وَمَا وَالَاهُمَا ، فَأَفْسَدَ عَلَيَّ أَمْرِي وَانْهَزَمَ هَرْثَمَةُ ، وَخَرَجَ صَاحِبُ السَّرِيرِ وَغَلَبَ عَلَى كُوَرِ خُرَاسَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ ، فَوَرَدَ عَلَيَّ هَذَا كُلُّهُ فِي أُسْبُوع . فَلَمَّا وَرَدَ ذَلِكَ عَلَيَّ لَمْ يَكُنْ لِي قُوَّةٌ بِذَلِكَ ، وَلَا كَانَ لِي مَالٌ أَتَقَوَّى بِهِ ، وَرَأَيْتُ مِنْ قُوَّادِي وَرِجَالِيَ الْفَشَلَ وَالْجُبْنَ أَرَدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِمَلِكِ كَابُلَ ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : مَلِكُ كَابُلَ رجُلٌ كَافِرٌ وَيَبْذُلُ مُحَمَّدٌ لَهُ الْأَمْوَالَ فَيَدْفَعُنِي إِلَى يَدِهِ ، فَلَمْ أَجِدْ وَجْهاً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ أَتُوبَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ