السيد محمد تقي المدرسي

29

الإمام الباقر (ع) قدوة وأسوة

« دخلت على الرشيد ذات يوم وهو في إيوانه وبين يديه مال كثير قد تشق عنه البِدَرُ شقًّا ، وأمر بتفريقه في خدم الخاصة وبيده درهم تلوح كتابته وهو يتأمله ، وكان كثيراً ما يحدثني ، فقال : هل علمت أول من سَنَّ هذه الكتابة في الذهب والفضة ؟ قلت : يا سيدي ! هو عبد الملكبن مروان ! قال : فما كان السبب في ذلك ؟ قلت : لا علم لي غير أنه أول من أحدث هذه الكتابة ! فقال : سأخبرك : كانت القراطيس للروم وكان أكثر من بمصر نصرانيًّا على دين ملك الروم وكانت تطرز بالرومية ، وكان طرازها أباً وابناً وروحاً قديساً ، فلم يزل ذلك كذلك وصدر الإسلام كله يمضي على ما كان عليه إلى أن ملك عبد الملك فتنبه له وكان فطناً ، فبينا هو ذات يوم إذ مر به قرطاس فنظر إلى طرازه فأمر أن يُترجم إلى العربية ففعل ذلك ، فأنكره وقال : ما أغلظ هذا في الدين والإسلام ، أن يكون طراز القراطيس بمصر وهي تحمل في الأواني والثياب ، فتدور في الآفاق والبلاد وقد طُرِّزَتْ بشرك مثبت عليها ، فأمر بالكتاب إلى عبد العزيز بن مروان وكان عامله بمصر بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرز به من ثوب وقرطاس وستر وغير ذلك ، وأن يأمر صُنّاع القراطيس بأن يطرزوها بسورة التوحيد وشَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ « 1 » ، وهذا طراز القراطيس خاصة إلى هذا الوقت لم ينقص ولم يزد ولم يتغير ، وكتب إلى عمال الآفاق جميعاً بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرزة

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 18 .