السيد محمد تقي المدرسي

131

البيان الاسلامي (أحاديث في العقيدة)

وحتى إفنائها بقانون أو قوانين وصفها الله لها وحكمها به ، فهي لا تخرج عن إرادة ربها ولا تتزحزح مقدار ذرّة . الإسلام جاء ليحث الناس على إخضاع الطبيعة بدلًا من الخضوع لها . والله أراد للإنسان أن يكون قوياً مقتدراً ، فلا يخاف الريح فيعبدها ؛ بل يصنع طائرة ويسخر الريح ؛ ولا يخاف النار وطاقتها ، بل ليستفيد من هذه الطاقة فيبتكر الصناعات لتتطور حياته وتزداد تألقاً وتقترب من الكمال . نموذج مقاومة الشرك فماذا يا ترى صنع الإسلام حتى يتحرر الإنسان - هذا المخلوق المكرّم - في الدنيا والمسؤول في الآخرة ؟ لقد قدم له نموذجاً حيّاً سمّاه إبراهيم الخليل الذي تحدى مجتمعه ، بما فيه عمه الذي كان ينزله منزلة الأبوة لشدة علاقته العاطفية به ، وبهذا التحدي بدأت رحلة إبراهيم الإيمانية : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ( الأنعام ، 74 ) . فهو حينما تحرر من قيود الطبيعة التي يكرسها الخوف منها ، تحداهم مرة واحدة ، لأن عمه ومن على شاكلته كانوا كلهم في ضلال وانحراف وقيود . لقد تحرر من تأريخ الشرك وبعده الزمني الملئ بالأساطير والخرافات والجهل المتراكم ، وتحرر أيضاً من ثقل المصالح التي كان عمه يهدده بحرمانه منها . . وفي مقابل هذا التحدي جزاه الله الجزاء الأوفى ، حيث يشير سبحانه وتعالى إلى ذلك بقوله : ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ ) ( الأنعام ، 75 ) .