السيد محمد تقي المدرسي

132

البيان الاسلامي (أحاديث في العقيدة)

أي ليكون من الوجهة العملية من عداد الموقنين ؛ واليقين هو أعلى درجات العلم . وهنا لابد من الإشارة إلى الخطأ الذي وقع فيه أكثر المفسرين ، حيث يقولون بأن كلمة ( وكذلك ) إشارة إلى ما بعد هذه الآية ، في حين أن الصحيح هو ما ذهبنا إليه من إثابة الله لإبراهيم بعد تحديه لقومه وانفتاح بصيرته ، فكان أهلًا لأن يعطيه الله من نوره ما يكون به موقناً بالملكوت الأعلى . ثم أن النبي إبراهيم عليه السلام حينما أصبح موقناً بملكوت السماوات والأرض ، عارفاً بحقيقة النواميس التي تحكم المخلوقات ، انتقل بتحديه لمجتمعه المشرك إلى مرحلة أدق وأطول ، وهي مرحلة الحوار المنطقي القائم على أساس بيان وتبيين حقيقة وصفات الأشياء المعبودة من دون الله عزّ وجلّ . فتراه عليه السلام كان يختار الوقت الأنسب لإلقاء الحجة على الكافرين من قومه . ( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ) ( الأنعام ، 76 ) . لقد قيّم النبي إبراهيم عليه السلام الكواكب تقييماً علمياً برؤيته ، وماشى الكافرين في اعتقادهم الباطل ، ليقنعهم في نهاية المطاف بأن الكواكب ليست إلّا مخلوقاً محكوماً بحركة زمانية ومكانية تنقله بين الظهور والأفول ، وما كانت هذه طبيعته غير جدير بأن يحب حبّ العبادة من دون الله سبحانه . ولعلّه بعد فترة لم يحددها النص القرآني - ليتيح للقارئ فرصة السير مع النبي إبراهيم عليه السلام في رحلته الإيمانية ، وحواره العتيد مع الكافرين - ألقى بالحجة نفسها بعد أن تمكن من غلبة معانديه في الخطوة الأولى ، حيث وضّح لهم بأن الشمس وهي الإله المزعوم مخلوق آخر من مخلوقات الله تعالى ، وأنها محكومة بقانون البزوغ والأفول ، وأن من يعبدها من دون الله حري بالتبرؤ منه وما يعبد .