السيد محمد تقي المدرسي
382
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)
يبدأ الإنسان بتجميع الظواهر عدديا ، لكي يفكر فيها كيفيا ، بهدف التعرف على قوانينها ، وعلاقاتها ببعضها « 1 » . ب - الاستقراء الحقيقي : وهو ما ينطبق عليه تعريفنا المتقدم للاستقراء : وهو معرفة العلاقة الخفية التي تربط ظاهرة بأخرى ، وعن طريق معرفتها يتم بالطبع التنبؤ بأنه كلما وجدت إحدى الظاهرتين ، كانت الأخرى موجودة أيضا . وبتعبير آخر : الاستقراء التام هو الانتقال من عدد محصور من القضايا إلى قاعدة عامة ، يمكن إعادة تطبيقها على عدد لا يحصى من القضايا المشابهة لكي يتم التنبؤ بالمستقبل ، ويتم بالتالي تحقيق الهدف من العلم - أي علم - وهو كشف المستقبل والاهتداء إليه ، ومثال ذلك اننا نعرف القانون التالي - من بعض التجارب - المعدودة التي تم الحصول عليها عن طريق الاستقراء ، والقانون هو : ( الكثافة / الكتلة على الحجم أو ث / ك على ح ) هل إننا استقرأنا جميع أنواع وأفراد الكثافة والكتلة والحجم ، وعرفنا بأن لها علاقة مطردة ، فعبرنا عنها بالقانون المتقدم ؟ ! كلا ، إذا : الاستقراء الحقيقي ، يتم على التعميم ، والانتقال من حالة جزئية ، إلى حالة كلية ، وذلك عن طريق معرفة العلاقة الرابطة ، بين شيء وشئ آخر . وهذه ميزة الاستقراء الحديث ، عن الاستقراء الأرسطي القديم ، الذي كان أشبه شيئا بتكديس الملاحظات على بعضها ، دون معرفة العلاقة بينها . ولكن هذا الاستقراء ينطوي على خطر التعميم الكلي إذا تسرع الباحث فيه ، وأفرط في الاعتماد عليه ، وهذه مشكلة نتعرض لها إن شاء الله ، في فصل قادم . الاستقراء بين الذوق والعقل : ( يذهب سائح إلى قرية فيجد متعة كبيرة وحين يعود يوصي أصدقاءه بالسياحة في هذه القرية ، فإنهم - حسب ظنه - سيجدون ذات المتعة ، عجبا هل
--> ( 1 ) - المنطق الحديث ومناهج البحث ، ص 63 .