السيد محمد تقي المدرسي
383
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)
سيكون مصيبا في حكمه ، أم خاطئا ؟ لا يفكر السائح في ذلك ما دام الموضوع لا يتجاوز حدود الذوق ، وإذا أرد أن يصدر حكما عقليا في الموضوع - كأن يكون خبيرا في السياحة ، يبحث عن أفضل منطقة سياحية في الإقليم - فلا بد أن لا يتسرع في حكمه بل يبحث بمنهجية أكثر ، ويجمع أدلة أقوى ، ترى ما الفرق بين الحالة الأولى والثانية ؟ الفرق ان السائح يعبر عن نظرته الغامضة التي كونها بذوقه ، بينما الخبير يعبر عن نظرته الواضحة التي يكونها بعقله ، والفرق بين العاطفة والعقل هو الفرق بين الحالتين وبالتالي هو الفرق بين الاستقراء الذوقي الذي قد يسمى أيضا بالفطري ، والاستقراء العلمي . والهدف من الاستقراء الذوقي غالبا ، هو تكييف البيئة مع الإنسان أي تذليل الأشياء لخدمة الإنسان ، ففي المثل السابق ، السائح يحاول معرفة أفضل مكان للاستجمام بينما الخبير يتجاوز ذلك إلى محاولة إيجاد أفضل مكان للاستجمام . والإنسان في حياته اليومية بحاجة ملحة إلى الاستقراء الذوقي حتى يكيف نفسه مع بيئته ، فهو بهذه الطريقة يعرف أصدقاءه وأعداءه ويميز الطيبات من الخبائث ، وبهذه الطريقة يعرف كيف يكلم الناس ؟ وكيف يثير فيهم ما يريد أن يثيره من الحب أو البغض ؟ فالاستقراء الفكري ضرورة حيوية ، لأن حياة المرء ليست الا سلسلة من المواقف أو المشكلات التي تتطلب حلولا عاجلة ، حقا تختلف هذه المشكلات ، التي تتطلب حلولا عاجلة ، باختلاف بيئة الإنسان ، وسنِّه ، وعمله ، وهي تتطلب من صاحبها ، وتلح عليه : ان يجد لها حلا ، وقد يصرفه هذا الإلحاح - كما رأينا عن المقارنة الدقيقة بين مختلف المواقف التي تشبه موقفاً فيصدر حكما خاطئا « 1 » .
--> ( 1 ) - المنطق ومناهج البحث ، ص 71 .