السيد محمد تقي المدرسي

332

المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)

( وإن قيمة الاستنباط ، لترجع إلى كونه فارغا ، ذلك لأن كون الاستنباط لا يضيف أي شيء إلى المقدمات ، هو ذاته السبب الذي يتيح على الدوام تطبيقه دون خوف من أن يؤدي إلى الاخفاق وبعبارة أدق فليست الحجة بأقل يقينا من المقدمة ، فالوظيفة المنطقية للاستنباط ، هي نقل الحقيقة من القضايا المعطاة إلى قضايا أخرى ) « 1 » . وهذا يعني أن علمنا بالكلي إذا كان آتيا ( من الاستقراء التام ) فإن علمنا بالجزئي سابق عليه ، فلا يكون تابعا له . وحتى لو لم يكن علمنا بالكلي آتيا من علمنا بالجزئي ، فإن ( مجرد علمنا بالكلي ) منطو على العلم بالجزئي ، إذ ليس الكلي أكثر من مجموعات جزئية فماذا نريد من القول : بأن كل إنسان ( كذا ) ؟ ألسنا نريد من كلمة ( كل إنسان ) زيدا وعمرا وفلانا وفلانا فماذا يفيدنا إذا تكرار النتيجة ، ( فزيد فإن ) ؟ ولا نريد أن ننكر ، بهذا القول ، فضل هذا النوع من القياس ، في توضيح الأفكار وارتباطاتها ببعضها ، ولكنا نريد أن نؤكد على أن المبالغة في استخدام هذا النوع من القياس ، يوقعنا في تجربة المجربات وإعادة المعلومات ، والتي تؤدي بدورها إلى تجميد الفكر وسلب المبادرة منه ، لذلك يقول د . محمود قاسم : إن ترديد القياس لبعض الحقائق التي سبق اكتسابها ، هو السبب في عقمه وجموده . فالمنطق الشكلي ، الذي أنشأه الميتافيزيقيون ، ينمي قوة الجدل على وجه الخصوص ، أي أنه ينمي استعدادا للبرهنة ، دون الكشف عن شيء ما ، وهو استعداد أكثر ضررا منه نفعا . وقد قال ديكارت ما يشبه ذلك في حديثه عن القياس الذي يستخدمه المرء لكي يفسر للآخرين الأشياء التي يعلمونها ، بدلا من أن يكشف لهم عن تلك التي يجهلونها ( كتاب أوجيست كنت ، الترجمة العربية ص 102 ) « 2 » . وهذه الحقيقية تعني أمرين آخرين أيضا ، هما :

--> ( 1 ) - نشأة الفلسفة العلمية ، هانز ، ص 45 . ( 2 ) - المنطق ومناهج البحث ، ص 46 .