السيد محمد تقي المدرسي
86
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
خلال كتاب ( قصة الغربة الغربية ) للسهروردي أنه نسخة طبق الأصل تقريباً لكتاب ( حي بن يقضان ) لابن سينا . يبدو لي : أن ابن سينا لا يعتبر فيلسوفاً إشراقياً بمعنى الكلمة ، ولكن فلسفته التي جاءت صهراً لفلسفات وأفكار سابقة احتوت على عناصر إشراقية لا ريب في أثرها البالغ على خلفه السهروردي ، ولأنه اتصل بالإسماعيلية ودرس على يديها ( رسائل أخوان الصفا ) في وقت مبكر ، فقد استوحى من خلالها مبادئ الفلسفة الإشراقية المتمثلة في أفكار فيثاغورس والرواقيين ، مضافاً إلى أن مدرسة الأفلاطونية الجديدة بذاتها مشبعة بمبادئ إشراقية ، ولا يمكن أبداً اعتبار ابن سينا ممثلًا للفلسفة المشائية كما كانت عند أرسطو . وربما كان اسم كتابه ( منطق المشرقيين ) يدل على أنه يعتبر شروح أهل المشرق سواء في بغداد أو جندي سابور القريبة من بغداد ، أو حتى في بلاد الفرس يعتبرها متميزة عن شروح المغربيين ، وهم أهل اليونان والإسكندرية ، إذ عليها طابع الشرق الذي ينزع إلى حالة الإشراق « 1 » . وكلمة الخلاصة : أن نسبة نهج خاص إلى ابن سينا مبالغة في شأنه وظلم لذلك النهج ، لأن ابن سينا يمثل تقريباً مجمل منهاج والفلسفات ، وكما يقول ماجد فخري : ولقد بنى ابن سينا ، كما فعل الفارابي ، على ركائز أرسطو طالية ، وبطليموسية ، نظاماً أفلاطونياً جديداً ، ضمنه مراحل الصدور تضميناً كاملًا ، ومع أن السلم الذي وضعه للكائنات ، مشابه في الأساس لسلم الفارابي إلا إنه جاء أتمّ منه ، وجاءت المؤلفات التي بسطه فيها أوفى وأشمل ، فإذا اتخذنا مثلًا تلخيصه لكتاب ( الشفاء ) وجدنا أنه يبدأ بخلاصة لعلم المنطق اختلطت فيها العناصر الأرسطوطالية بالأفلاطونية الجديدة والرواقية اختلاطاً كبيراً « 2 » .
--> ( 1 ) ( ) راجع للمزيد من الاطلاع د . حسن حنفي دراسات إسلامية ، ص 229 - 230 . ( 2 ) ( ) تاريخ الفلسفة الإسلامية ، ص 184 - 185 .