السيد محمد تقي المدرسي
85
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
فقد استطاع أن يصوغ مجموعة فلسفية بناءً على دراسته لأرسطو دراسة ناقدة ، مستعيناً في ذلك بمن يشايع الأفلاطونية الجديدة من الشراح ، وبالرواقيين « 1 » . وتتساءل : لماذا انتشرت بين المسلمين واليهود والنصارى كتابات ابن سينا وبالذات كتابه ( الشفاء ) . للإجابة عن هذا التساؤل ، علينا أن نعرف : أن العصر الذي خلف ابن سينا كان يسمى في أوروبا بعصر الظلمات ، للتخلف الحضاري الذي مني به المجتمع الأوروبي ، وكان يعاني المجتمع المسلم فيه حالة من التوقف والجمود . وحالة التوقف الحضاري تتميز - في الجانب الثقافي - بالاكتفاء بالملخصات الواضحة ذات الطابع الشمولي ( أو الموسوعي ) الذي يقطف من كل حقل زهرة ، حيث لا يحتاج الفرد معها إلى بذل الجهد في الوصول إلى الحقائق في ذات الوقت الذي يرضي غروره بأنه قد حصل على كل الثقافة تقريباً . وحيث أن تأليفات ابن سينا كانت من هذا الطراز ، فقد انتشرت في عصر الهجعة الحضارية ، بالرغم من اختفاء سائر الكتب حتى مؤلفات الكندي والفارابي ويشهد على ذلك التراث المخطوط نفسه ، فالمحفوظ في مكتباتنا من مؤلفات الكندي مخطوط واحد في مكتبة إسطنبول ، أما مؤلفات الفارابي ، فلدينا منها عدد قليل غير متكامل ، أما مؤلفات ابن سينا فقد حفظ لنا منها عشرات من المجموعات تكاد تكون تامة ، وقد وضع العالم الدومينيكاني ( الأب ج . س . قنواتي ) كشفاً بمؤلفات ابن سينا يبلغ ( 276 ) مؤلفاً بين مطبوع ومخطوط « 2 » . ابن سينا وحمة الإشراق هل كان ابن سينا إشراقياً ؟ وهل يدل اسم كتابه ( منطق المشرقيين ) على أنه المُلهم للسهروردي الذي كتب ( حكمة الإشراق ) ؟ وهل نستطيع أن نكتشف من
--> ( 1 ) ( ) المصدر . ( 2 ) ( ) تاريخ الفلسفة الإسلامية ، ص 182 .