السيد محمد تقي المدرسي
84
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
مكنته من التعمق في الفلسفة اليونانية إلى حد جعلته من أكبر الفلاسفة المسلمين ، إلا إنه - الرغم من ذلك - لم يخرج عن إطار التقليد للفلسفة اليونانية في صورتها التي تكونت في مدرسة الإسكندرية . وكان أقصى طموحه الجمع بين متناقضات الفلسفة من أفلاطون إلى أرسطو إلى الفلسفة الرواقية إلى الأفلاطونية الجديدة ، ومحاولة التوفيق بينها وبين مبادئ الشريعة الإسلامية . وفي بعض كتبه يعترف ابن سينا عن تنازله للتيار الشائع فيذكر : أن علماء زمانه قد اتجهوا بصورة خاصة نحو المشائيين ، وأنه لم يجد ما يدعوه إلى الخروج عن نهج المشائيين في المؤلفات التي وضعها للعامة من القراء ، ففي زعم العامة أن الفلسفة المشائية هي الفلسفة المثلى « 1 » . وفضيلة ابن سينا ليست في إبداعه الذي كان جد قليل ، بل في أمرين : الأول : في بلاغة تعبيره الجامع لدقة الفكرة وسلاسة البيان . الثاني : في سعة اطلاعه وموسوعية كتبه ، ولهذا أصبح الناطق الرسمي باسم الأفلاطونية الجديدة بالرغم من أن الفارابي هو الذي أدخلها في ثقافة المسلمين ، كما أصبح ذا أثر بالغ على كل من المسلمين واليهود والمسيحيين . وقد أحرزت فكرة ابن سينا عن الله الذي يتوحد في ذاته الوجود والماهية ، أقول : أحرزت رواجاً واسعاً في الغرب ، وخاصة على يدي موسى بن ميمون اليهودي ، والفيلسوف المسيحي توماس الأكويني « 2 » . وموسوعية ابن سينا ليست فقط تجميعية ، بل هي أيضاً تذويبية ، حيث استطاع أن يعصر في بوتقة فكره خلاصة لأفكار السابقين من فلاسفة اليونان والإسكندرية والفلاسفة المسلمين الذين يدين الفارابي لهم بالشيء الكثير ، ويضفي على كل ذلك مسحة من ظواهر الشريعة .
--> ( 1 ) ( ) المصدر ، ص 184 . ( 2 ) ( ) الموسوعة الفلسفية المخترصة . ص 17 .