السيد محمد تقي المدرسي

308

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

واستدلوا عليه بأدلة ، أبرزها أن انبعاث أكثر من واحد من شيء واحد يعني وجود أكثر من مصدر في ضمير الواحد . كل مصدر منهما ينبعث منه واحد غير المصدر الثاني ، وحينئذ يكون المصدر اثنين في غلاف واحد ، ولا يكون واحداً « 1 » . ويبدو أن هذا البرهان هو لب كلام المحقق الطوسي في شرحه لكتاب ( الإشارات ) ، حيث قال : كان هذا الحكم - يعني أن الواحد الحقيقي لا يوجب من حيث هو واحد إلا شيئاً واحداً - كان قريباً من الوضوح ، وإنما كثرت مدافعة الناس إياه لإغفالهم معنى الوحدة الحقيقية « 2 » . ويبقى في هذه القاعدة ثغرة واسعة لن يسدها شيء ، وهي التناقض بين الأحدية الصمدية ، وبين فكرة الصدور ، وهكذا التناقض بين الأزلية والتقدس عن الحدوث والتغير وبين الصدور . فإذا كان الشيء ( وهو هنا الله وحده ) مقدساً عن التغيير ، فكيف يصدر منه الشيء ، والصدور يعني حدوث تغيير فيه سبحانه ؟ وإذا كان منزهاً عن التركيب ، فكيف تم الصدور ، والصدور يقتضي انفصال الشيء عن مصدره ، والمفروض أنه واحد بلا أجزاء ، فكيف ينفصل منه جزء ؟ وإذا لم ينفصل منه أي جزء ، فماذا يعني الصدور ؟

--> ( 1 ) ( ) يقول علاء الدين الطوسي في كتابه المطبوع باسم تهافت الفلاسفة ، ص 153 مبيناً استدلال القوم على أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد : لو صدر عن الواحد الحقيقي شيئان ، لكان لكل منهما ، ومصدريته لهذا غير مصدريته لذاك ، لأنه يعقل كل منهما بدون تعقل الآخر ، فلزم التعدد في الواحد الحقيقي ، وهذا خلف ( خلاف المفروض إنه واحد وليس أكثر ) مع إن المصدريتين إن كانت كل منهما عين ذاته لزم أن يكون له حقيقتان متغايرتان وأن يكون الواحد اثنين ، وهما محالان . وإن كانت كل منهما داخلة فيه ، لزم التركيب فلا يكون واحداً من جمع ( المصدرية ) الجهات أن كانت كل منهما ( المصدريتين ) خارجة عنه ، لزم أن يكون ذلك ( خارج ) مصدراً لكل من المصدريتين فننقل الكلام إلى مصدريتي المصدريتين حتى يلزم أحد المحالين المذكورين . ( 2 ) ( ) تهافت الفلاسفة لعلاء الدين الطوسي ، ص 160 .