السيد محمد تقي المدرسي

309

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

إن ما نفهمه من الصدور هو انفصال جزء من المصدر ، مثل ولادة الطفل من أمه ، وجريان الماء من الينبوع ، وانبعاث الشعاع من الشمس ، وانبثاق الفكر من الذهن ، والتصور من الخيال ، وكل هذه الأنواع من الصدور تتقارن مع تغيرات في المصدر ، كما تتقارن تبعاً لذلك مع التكثر ، حيث أن الواحد يصدر منه أكثر من واحد ، بل لا يمكن لمصدر واحد أن يصدر منه غير واحد ، لأن قابلية الصدور ، إن كانت ، فكما يمكن أن يتحقق في واحد ، يمكن أن يتحقق في أكثر من واحد « 1 » . أما ما قد يتوهمه البعض في معنى الصدور عن أنه يساوي الخلق والإبداع والإنشاء لا من شيء ، فإنه لا يصدق - على هذا المعنى - البرهان السابق ، لسبب بسيط جداً ، هو أن الخلق عند الله الذي لا تحد قدرته وفاعليته حدود ولا قيود لا يعني أي تغيير في ذاته تعالى ، فلا معنى لهذه البراهين بالنسبة إليه . صدق القاعدة المذكورة ( قاعدة الواحد لا يصدر منه إلا واحد ) إنما تصح فيما إذا كانت فاعلية الفاعل بصورة الفيض والترشح والتنزل ، ولكن الذات المقدس للحق المتعال بسيط من جميع الجهات ، وفاعليته ليست بصورة الفيض والترشح والتنزل ، لذلك لا امتناع في صدور المركب في درجة واحدة منه . وكلمة الخلاصة : إن هذه النظرية غير صادقة ، لا في الله تعالى ، لأنه لا يصدر منه شيء ، بل يخلق الأشياء لا من شيء كان معه ، ولا في مخلوقات الله سبحانه وتعالى ، لأن الصدور فيها بمعنى الانفصال المساوق للكثرة في المصدر ، وبتعبير آخر : إذ لا أحد سواه « 2 » .

--> ( 1 ) ( ) يقول الطوسي ( المصر ، ص 160 ) إذا اعتبرت الوحدة المجردة التي لا يكون فيها ولا معها تعدد بوجه من الوجوه ( وفي مثل ) تعدد القوابل ، لم يتصور صدور المتعدد ، وكيف يتصور صدور غير القابل من الفاعل ! لكن يكون هذا حكماً لغواً من غير فائدة أصلًا ، إذ لا يصدق الواحد بهذا المعنى على شيء من الأشياء . ( 2 ) ( ) سيأتي المزيد من البحث عن هذه النقطة عند الحديث عن كيفية خلق الله سبحانه وتعالى للأشياء .