السيد محمد تقي المدرسي
274
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
كيف نعرف الله ؟ سنتحدث في فصول قادمة - بإذن الله - عن واقع العقل ، ذلك النور الذي وهبه الله لنا لنفهم به الحقائق . وهنالك نسوق الحجة على أن أشياء الكون بذاتها مظلمة ، وبالتالي هي بحاجة إلى نور يكشفها لنا . كما أن ذواتنا مظلمة بطبعها فهي قد تجد وقد لا تجد الحقائق ، وما لا تجده من الحقائق أكثر . فهل تصدق هذه الفكرة في مجال معرفة الله ؟ كلا . لأننا أمام واقع جديد يختلف كلياً عن سائر الحقائق ، ألم نشهد بأن الله لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئاً ؟ إذاً ، دعنا نتكلم بأسلوب آخر . هل يمكن أن نعرف الله ، وهل أوتي هذا البشر المخلوق والمحدود وسيلة يعرف بها ربه ؟ الإجابة في الفكرتين التاليتين : ألف : المفروض أن يكون العقل هو الذي يعرفنا الله ، أليس كذلك ؟ ولكن السؤال هو : هل العقل أشهد ظهوراً أم الله الذي خلقه ؟ أفلا يشبه هذا الفرض قولنا جدلًا : إن المخلوق هو الذي خلق الله ، أو أن العبد الضعيف هو الذي ينصر الرب القوي . معقول أن نقول : الله يهدينا إلى العقل بعد أن يهبه لنا ، بينما العكس ليس معقولًا ولا ممكناً . باء : أرأيت كيف أن ذبذبات الصوت إذا زادت عن عشرين ألفاً في الثانية ، تشق طبلة الأذن ولا تطيق سماعها ؟ أرأيت كيف أن النور القوي يبهر العين ، ويجعل العين عاجزة عن الرؤية ؟ لماذا ؟ لأن قدرة الاستيعاب عند البشر محدودة ، فإذا فاقت قوة الشيء قدراته تفجرت أجهزة الاستقبال عنده .