السيد محمد تقي المدرسي

275

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

كما إذا زادت قوة الكهرباء عن طاقة جهاز كهربائي احترق . ولعل مراد الله من تفجير الجبل أمام عين موسى ( عليه السلام ) حين قال : " أرني انظر إليك " كان للتذكير بأن قدرة العبد محدودة ، فهو يخر صعقاً أمام جبل يتجلى ربه له ، فكيف لا يتصدع قلبه لو تجلى الله له بكل كبريائه وجبروته وعظمته ؟ ! بلى ، إن الرب الذي أضاء قلب الإنسان بنور العقل ، ورش على الأشياء من نور الوجود ، والذي أشرقت الأرض بنوره ، إنه هو الذي دل عباده على ذاته ، وهداهم إلى معرفته ، وكشف عن نفسه لهم بإزاحة بعض حجب العظمة ، ورفعهم - بقدرته على كل شيء - إلى مستوى معرفته ، من دون أن ( يتنزل ) عن مقامه كما توهم الضالون ، ومن دون أن ( يتطور ) بأطوار خلقه أو يتغير بتغيرهم . لقد كان شاهداً ، وقريباً ولكن الخلق كانوا غائبين عنه ، بعيدين منه ، فلما منّ عليهم بالهداية ، وأعطاهم نور المعرفة ، شاهدوه بنوره وتقربوا إليه بفضله . كمثل طيب العين ، يحضر عند الأعمى ، فلا يراه ، فإذا عالج عينه وجد أمامه الطبيب كان حاضراً بينما الأعمى كان هو الغائب ، ارتد بصيراً بفضل معالجة الطبيب فرآه من دون أن يتغير الطبيب . تعالى ربنا عن الأمثال : إنه طبيب قلوب العارفين ، يعالجها بالمعرفة واليقين ، فيجدونه حاضراً شاهداً قريباً . جاء في الذكر الحكيم : الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلآ أَنْ هَدَانَا اللّهُ ( الأعراف / 43 ) اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ ( الفاتحة / 6 ) يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( المائدة / 16 ) اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ( البقرة / 257 ) مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً ( الكهف / 17 )