السيد محمد تقي المدرسي
243
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
ومعنى تقييده طلب المألوه له بما يستحق من التنزيه ، والتنزيه تقييد ، والعلم به من كونه إلهاً يثبت شرعاً وعقلًا ، فللعقل فيه التنزيه خاصة فيقيده به ، وللشرع فيه التنزيه والتشبيه ، فالشرع أقرب إلى الإطلاق في الله من العقل . « 1 » ولكن كيف أن التشبيه والتنزيه يجتمعان في الله ؟ وما هو إذاً تفسير قوله ليس كمثله شيء ؟ يقول ابن عربي في الجواب : إن الحق المنزه هو الخلق المشبه « 2 » . ويفصل القول : أي ليس في الوجود شيء يماثل الحق أو هو مثل للحق ، إذ الوجود ليس غير عين الحق ، فما في الوجود شيء سواه يكون مثلًا له أو خلافاً ، هذا مالا يتصور ، فإن قلت : فهذه الكثرة المشهودة ؟ قلنا : هي نسب وأحكام استعدادات الممكنات في عين الوجود الحق ، والنسب ليس أعياناً ولا أشياء ، وإنما هي أمور عدمية بالنظر إلى حقائق النسب ، فإذا لم يكن في الوجود شيء سواه ، فليس مثله شيء ، لأنه ما ليس له مثل ، فافهم وتحقق ما أشرنا إليه ، فإن أعيان الممكنات ما استفادت إلا الوجود ، والوجود ليس غير عين الحق « 3 » . وهكذا يتم تفسير الثنائية بأنها وجهان لحقيقة واحدة ، فإذا قدست الرب فلأنه الخالق ، وإذا شبهته فلأنه عين الخلق ، وإذا كان ظاهر القرآن يحتوي على التقديس مرة والتنزيه مرة ، فلأن القرآن كتاب شمولي يتحدث مرة للعقل ، ومرة للقلب الذي هو فوق العقل . بين نفي التحديد ونفي التشبيه وانطلاقاً من هذه القاعدة ، استدل العرفاء على وحدة الموجود ب - ( إنه يجب نفي التحديد والنقص من وجوده تعالى ، فهو كل الأشياء ، وإلا للزم التحديد والنقص « 4 » .
--> ( 1 ) ( ) المصدر ، ص 368 نقلًا عن الفتوحات 4 / 423 . ( 2 ) ( ) المصدر ، ص 362 نقلًا عن فصوص الحكم ، ص 78 . ( 3 ) ( ) المصدر ، ص 373 - 374 نقلًا عن الفتوحات 2 / 516 . ( 4 ) ( ) ميزان المطالب ، ص 35 .