السيد محمد تقي المدرسي
183
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
الفكرة الإيجابية بامتياز فهي فكرة الله ( الموجود المطلق في لا تناهيه ، أي الجوهر الحامل لعدد لا متناهٍ من الصفات ، التي تعبر كل صفة منها عن ماهية أزلية ولا متناهية ) . . إنها إيجابية لأنها جوهر أي ( ما هو موجود في ذاته وما هو متصور بذاته وما لا يحتاج تصوره إلى تصور شيء آخر يكون متقوماً به ) « 1 » . أما علاقة الأشياء بهذا الموجود الغيبي ، فيرى هذا الفيلسوف : أن فهم هذه العلاقة سوف تكون عبر معرفة وحدة الوجود أيضاً . عن هذا السبيل نستطيع أن نفهم على نحو أفضل لماذا كان الجوهر الأوحد والمعقولية الكلية شيئاً واحداً في نظر اسبينوزا ، بشرط ألا تكون علاقة الجوهر بصفاته مجرد علاقة موضوع بمحمول ، بل أن يكون الجوهر اللامنقسم هو السبب الذي يعلل وجود الأحوال في كل صفة ، فإن في الصفات كافة على الرغم من اختلافها في الماهية أساساً واحداً هو قدرتها على تعليل وجود الأحوال فيها . والحال أن هذه المعقولية ليست رهناً بطبيعة الصفة ؛ ذلك أن المعقولية هي النظام ؛ والنظام الذي به تنجم الأحوال في كل صفة من هذه الصفات عن بعضها بعضاً ، يمكن أن يكون واحداً برغم تمايز الصفات « 2 » . ملا صدرا يجدد نظريات وحدة الوجود ويأتي صدر المتألهين - كما يسميه المتأثرون بفلسفته - ليجدد نظريات المثل الأفلاطونية بتعابير جديدة فيقول : وفي كلام المحققين إشارات واضحة بل تصريحات جليّة : بعدمية الممكنات أولًا وأبداً وكفاك في هذا الأمر قوله تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه قال الشيخ محمد الغزالي - مشيراً إلى هذه الآية ، عند كلامه في وصف العارفين بهذه العبارة فرأى بالمشاهدة العيانية ، أن لا موجود إلا الله ، وأن
--> ( 1 ) ( ) تاريخ الفلسفة أميل برهيبة ترجمة جورج طرابلس - القرن السابع عشر - ص 204 - 205 . ( 2 ) ( ) المصدر ، ص 206 .