السيد محمد تقي المدرسي
184
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
كل شيء هالك إلا وجهه ، لا أنه يصيّرها كذلك في وقت من الأوقات ، بل هو هالك أزلًا وأبداً لا يتصور إلا كذلك ، فإن كل شيء إذا اعتبر ذاته من حيث هو فهو عدم محض ، وإذا اعتبر من الوجه الذي يسري إليه الوجود من الأول الحق ، رأى موجوداً في ذاته ، لكن من الوجه الذي يلي موجودة « 1 » . وفي حديث لآخر يرى ( أن الماهيات الإمكانية أمور عدمية ) ويضيف قائلًا : بمعنى أنها غير موجودة لا في حد في أنفسها بحسب ذواتها ، ولا بحسب الواقع ، لأن ما لا يكون وجوداً ولا موجوداً في حد نفسه ، لا يمكن أن يصير موجوداً بتأثير الغير وإفاضته ، بل الموجود هو الوجود ، وأطواره وشؤونه وأنحاؤه « 2 » . هكذا يرى ملا صدرا : أن الأرض والسماء والإنسان وغيرها مما يسميها ( الماهيات الإمكانية ) ليست في الواقع إلا اعتبارات وهمية . من ذلك كله نرى أن هذا الفريق من الفلاسفة يلغون وجود الأِشياء ، ونستطيع أن نجعلهم جميعاً في صف المتألهين المتأثرين - كشيخهم أفلاطون - بالسوفسطائيين بقدر معين . الرؤية الواقعية ونحن لا يسعنا إلا الاعتراف بأن وجداننا وعقلنا وكافة أحاسيسنا تشهد بوضوح : أن الموجودات التي حولنا وإيانا حق وواقع . وقبل أن تشوش رؤيتنا بالأفكار الغريبة لم يكن يطرح لدينا هذا التساؤل : هل نحن موجودون ؟ هل السماء والأرض والجبال و . . و . . حق أم ظلال للحق ؟ ويبدو أن الذين أنكروا ( أصالة ) الأشياء وأن شئت قلت : ( الماهيات ) إنما فعلوا ذلك تخلصاً من الجهل بكيفية الخلق ، ومعنى قدرة الله سبحانه وتعالى على خلق الأِشياء بكلمة واحدة : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ( يس / 82 )
--> ( 1 ) ( ) ميزان المطالب ، ص 23 ، نقلًا عن كتاب الأسفار ، ص 195 ، الطبعة القديمة . ( 2 ) ( ) المصدر .