السيد محمد تقي المدرسي

142

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

وهذه بعض تأثيرات الأفكار الهندية المتصوفة . ( في اليوغا الهندية ، أن الغاية من ( معرفة الفارق ) ( الأفراد ) التي ينشدها الحكيم اليوغي ، في رأي شنكرا مثلًا ، ليست الاتحاد بالله ، بل عزل الذات ، والتوصل إلى تحقيق نمط من الوجود الدائم خارج المكان والزمان . وهذا ( العزل ) إنما هو من قبيل التعطيل للوجود الفردي الذي هو الغاية القصوى ( للصوفية اليوغية ) ، بل ولكل الديانة البرهمية ، كذلك في نظام الجنيد ، فإن غاية المتصوف القصوى هي بلوغ هذه الحالة من الفناء الذاتي ، استعداداً لرجوعه إلى حالته الأصيلة من البقاء الأبدي ، الذي سلبه إياها حدوثه في الزمان « 1 » . ذو النون المصري والأفكار الدخيلة وكان ذو النون المصري توفي عام ( 859 م ) أول من أدخل الأفكار الأفلاطونية الجديدة إلى التصوف كما سبق الحديث عن ذلك - : ( وهو مصري يتحذر من أصل قبطي ، ويكاد يكون في أخبار التصوف شخصية العالم الشيعي جابر بن حيان ( ت 776 ) الذي قيل إنه كان أحد أساتذته ، فقد نقل أنه كان مثله من أرباب التصوف وعلماء الكيمياء وأعلام الفلسفة ، ومع كل ما كان عليه ذو النون من الإغراق في أسلوبه الأدبي ، فإنه بقي مثالًا للصوفي المعتدل الرصين . وعنده أن هدف الصوفي هو الاتصال بالله ، وأنه ليس وراء ( مشاهدة وجه الله ) من رحمة لأرباب النعمة ، الا سماع أصوات الأرواح الملائكة ، أما الطريق الصوفي ، فيتألف في عرفه ، من عدد من ( المقامات ) يترتب على المتصوف أن يسلكها ، وعدد مقابل من ( الأحوال ) قد يُنعم بها الله عليه ، وهذا الفارق المميز بين ( المقامات ) و ( الأحوال ) وهو أن الأول يتم بالجهد الإنساني ، في حين أن الثاني هبة من الله ، أصبح في ما بعد الفارق المعتمد في التقليد الصوفي « 2 » .

--> ( 1 ) ( ) المصدر ، ص 327 . ( 2 ) ( ) المصدر ، ص 327 - 328 .