السيد محمد تقي المدرسي
143
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
إبراهيم الأدهم والأسطورة البوذية « 1 » مع اشتهار قصة بوذا بين المسلمين وتفاعلها مع مبالغات الصوفية وشطحاتهم ، كونت العقلية الصوفية شخصية تمثلت قصة بوذا ، وهو إبراهيم الأدهم توفي عام ( 776 ) وقيل إنه كان ابن أمير في ( بلخ ) إلا أن التواريخ التي بأيدينا لا تثبت اسم مثل هذا الأمير ، ولعل هذا الأمير هو الآخر شطحة صوفية لتضاف إلى سائر المبالغات في حياة إبراهيم الأدهم الذي تُروى عنه حكاية تذكرنا باسورة غوتاما بوذا ، إذ تجعل منه أميراً انكشف له بطلان ملذات الدنيا فنبذها . ذلك أنه في ما كان في رحلة صيد ، إذا بهاتف يصيح به مرتين : ( ألهذا خلقت أم بهذا أمرت ) ؟ فندم على ما كان منه في حياته الدنيا ، وترجل عن دابته واستبدل بها جبة راع من صوف ، وهام على وجهه في الصحراء ، إلى أن حط رحاله في مكة ، حيث يقال إنه التقى رابعة العدوية . وفي الروايات أن رحلته هذه إلى مكة استغرقت أربعين سنة ، لأنه كان مع كل خطوة يخطوها يسجد مرتين . ويروى أنه كان يقول : غيري يسلك هذه الطريق على قدميه ، أما أنا فأسلكها على رأسي ( يريد وجهي ) إشارة إلى ملامسة جبهة المسلم للأرض في الصلاة عند السجود . لكنه عندما وصل أخيراً إلى مكة ، لم يجد الكعبة وهي المزار المقدس الذي قصد الحج إليه - وذلك كما أوضح له هاتف ، لأن الكعبة كانت قد خرجت للقاء رابعة . وعندما رآها عائدة ، عاتب رابعة قائلًا : ما الضجة التي تحدثينها في الدنيا ، الكل يقولون ذهبت الكعبة للقاء رابعة ! ! فأجابت : وأية ضجة تحدثها أنت في الدنيا بأن أمضيت أربعين سنة حتى بلغت هذا المكان ، لأن الكل يقولون : إبراهيم يتوقف كل خطوة ليصلي ركعتين ؟ ! .
--> ( 1 ) ( ) يقول د . البدوي : ولا تدلنا كتب التاريخ : أن والياً لخراسان ، أو لبلخ كان اسمه أدهم في النصف الأول من القرن الثاني للهجرة ، أو في القرن الأول الهجري ، فما نذكره هذه الرواية من أن أباه أدهم ، كان من ملوك خراسان ، لا أساس له من التاريخ . ( تاريخ التصوف الإسلامي ) ص 221 .