السيد محمد تقي المدرسي

137

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

انتشرت طائفة من تاركي الدنيا والسياح الهنود والمانويين في العراق وسائر البلاد الإسلامية . وكما كان يدور الحديث في القرن الأول عن الرهبان والمسيحيين السواح ، كانوا يتحدثون أيضاً عن سواح زهاد آخرين لم يكونوا بمسلمين ولا بمسيحيين ، ويسميهم الجاحظ ب - ( الرهبان الزنادقة ) ويبدو من حديثه أنهم من زهاد المانوية « 1 » . ومن خلال هؤلاء انتشرت قصة ( بوذا ) واعتبروه قدوة للزهد والارتياض ، ويقولون عنه : لقد كان الأمير القوي الذي ولى الدنيا وحرر نفسه رفيق الطريق وإذا انتشر التصوف في بلاد البلخ وما وراء النهر ، فلربما بسبب انتشار المذهب البوذائي هناك منذ ألف عام قبل ظهور الإسلام « 2 » . الأثر الفارسي في التصوف عند المسلمين أما المؤثر الفارسي ؛ فقد كان له أبعاد مختلفة ، نذكر منها ما يلي : أولًا : إن الأفلاطونية الجديدة بذاتها انعكاس لروح شرقية إيرانية ، وقد سافر قادتها إلى بلاد فارس ، واقتبسوا منها الكثير ، حيث جاء إلى إيران مع ( كرديانوس ) الإمبراطور الروماني الذي خاض حرباً مع الملك الإيراني ( شابور بن أردشير ) الساساني - كما أن أستاذه أمونيوس ساكاس - هو الآخر كان متأثراً بالروح الشرقية والفلسفة الإيرانية والهندية « 3 » . ثانياً : بسبب فتح الإسلام للإمبراطورية الفارسية ، واعتناق بعض الفرس للإسلام ظاهراً مع الاحتفاظ بتراثهم الثقافي - أمثال ابن المقفع والبرامكة - وتلهف الكثير من المسلمين لمعرفة الثقافة الفارسية ، فإن بعض الفلاسفة والمتصوفة الذين كتبوا باللغة العربية قد عبّروا - في الواقع - عن أفكارهم الفارسية أكثر مما عبّروا عن الإسلام .

--> ( 1 ) ( ) عارف وصوفي چه ميگويند ، ص 14 . ( 2 ) ( ) راجع المصدر المتقدم ، ص 14 - 15 . ( 3 ) ( ) المصدر ، ص 28 .