السيد محمد تقي المدرسي

138

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

وكان أكثر الكتاب بعد القرن الثاني للهجرة من الفرس ، وهكذا فاق أثر الفرس في المذاهب الفلسفية الجوانب القشرية وخاض في العمق البعيد ، خصوصاً في مجال التصوف والمبادئ العرفانية التي كانت في الأصل إيرانية أو لا أقل شرقية . ثالثاً : لقد كان لفلسفة الإشراق أثر بالغ على التصوف ، وقد سبق الحديث عن مدى تفاعل فلسفة الإشراق مع الحكمة الفارسية القديمة . ومن هنا ؛ فقد رأى الكثير من الباحثين أن جذر التصوف نجده في الحكمة الفارسية وبالتحديد في المزدكية الفارسية ، يقول د . عبد الرحمن بدوي : فمنهم من بدأ بحكم سابق هو أن العقلية السامية عاجزة عن الفنون والعلوم ، أولًا : لفقرها في الخيال ، وثانياً : لافتقارها إلى التدقيقات الروحية والمرونة العقلية واللغوية ، ولهذا رأوا أن ما نشأ في داخل الأديان السامية من تصوف إنما يرجع إلى رد فعل عنصري ولغوي وقومي من جانب الشعوب الآرية المقهورة التي غلب عليها سلطان الساميين ، وعلى رأس من قالوا بهذه النظرية جوبينو ( Gobineau ) وفريدرش دلتش ، ورينان ( Renan ) وبول دلاجارد ، وفي أثرهم ربتسنشتن ، واينسوسترانسن وبلوشيه ( Blochet ) وا . ج . بروان وكلهم يعتنقون فكرة سمو الآرية على السامية ويفسرون بالعقلية الآرية كما تصوروها كثيراً من الظواهر الحضارية والفكرية والعقائدية في تاريخ الإسلام ) « 1 » . وسواءً قبلنا هذا الحكم بإطلاقه أم لا ، فإن ذلك ليدل على مدى أثر المصدر الفارسي في التصوف لدى المسلمين . وربما كان انتشار التصوف في إيران ، وتعدد مذاهبه هناك ، وكثرة المعاني الإبداعية فيه لدليل على وجود استعداد نفسي وثقافي واجتماعي ذي جذور تاريخية .

--> ( 1 ) ( ) تاريخ التصوف الإسلامي ، ص 31 - 32 .