السيد محمد تقي المدرسي

120

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

فلقد جاء في تفسير الآية الكريمة : وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا « 1 » . جاء عن ابن مسعود ما يلي : كنت رديف رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على حمار فقال : " يا ابن أم عبد ! هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانية ؟ " فقلت : الله ورسوله أعلم . فقال : " ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى ( عليه السلام ) ، يعملون بمعاصي الله فقاتلهم أهل الإيمان ثلاث مرات ، فلم يبق منهم إلا القليل ، فقالوا : إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه ، فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى ( عليه السلام ) ، فتفرقوا في غيران الجبال وأحدثوا رهبانية " « 2 » . هكذا هرب المؤمنون إلى الجبال مخافة الجبابرة فتعمقت لديهم الرهبانية حتى أصبحت بدعة ، ثم أصبحت الرهبانية بدعة لكل من شاء التهرب عن الجهاد خشية الظالمين . ولذلك عالج الإسلام الرهبنة المبتدعة عند النصارى بالأمر بالجهاد . فقد جاء الحديث المأثور عن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله " « 3 » . الثاني : التصوّف اللامسؤول بعد الفتن الداخلية التي اجتاحت الأمة الإسلامية وبعد انتشار روح التخاذل والسلبية ، شاع في الأمة تصوف من نوع جديد ، يدعو إلى الانعزال والاستعاضة

--> ( 1 ) ( ) سورة الحديد / 27 ويأتي في آخر الفصل تفسير هذه الآية . ( 2 ) ( ) بحار الأنوار ، ج 67 ، ص 114 ، ( الهامش ) . ( 3 ) ( ) المصدر ، ص 115 .