السيد محمد تقي المدرسي
121
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
عن تحمل واجبات الجهاد والإصلاح بالجلوس في زوايا المساجد وترديد ذكر الله وتقديم النصائح الخلقية للناس « 1 » . ويبدو أن أول من ابتدع هذه الطريقة في التصوف هو الحسن البصري الذي يعتبر أستاذاً لرابعة العدوية ، أشهر صوفية بين المسلمين . وقد سبق الحديث في ( الكلام ) حول الحسن البصري وكيف أنه اعتزل القتال الذي دار بين الإمام علي الخليفة المنتخب من قبل الأمة والمنصوص عليه من قبل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبين طلحة والزبير الذين تمردا عليه بعد البيعة ونادى الحسن في البصرة : لا قتال ، لا قتال ، فأنبه الإمام علي ( عليه السلام ) بعد انتصاره وسماه بسامري هذه الأمة ، وأضاف : " ألا أنه يقول : لا قتال " . وهكذا استمرت سيرة هذا الفريق من الناس في التهرب من مسؤوليات الحياة وبالذات المسؤوليات السياسية واللجوء إلى كهف الخرافات والأساطير . دعنا نضرب مثلًا على هذا التهرب من حياة شيخهم الحسن البصري ، ومواقفه السياسية . أما موقفه السياسي فكان موقف المتباعد عن السياسة واضطراباتها ، خصوصاً وقد عاش في عصر الحجّاج بما عرف عنه من بطش شديد . فلما قام ابن الأشعث بثورته المشهورة في سنة ( 81 ه - ) ضد الأمويين ممثلين في الحجاج ، وانبرى الحجاج لقتاله وإخماد فتنته ، دعا بعض الناس الحسن إلى الاشتراك معهم في صف ابن الأشِعث ، وقالوا له في شأن الحجاج : يا أبا سعيد ! ما تقول في قتال هذا الطاغية
--> ( 1 ) ( ) يقول : حنا الفاخوري وخليل الجر : وإلى جانب ذلك ، فقد آلت الخلافة في عهد عثمان ثم في عهد الأمويين وعهد بني العباس إلى انهماك في الملذات ، ثم يضيفان القول : فأدى كل ذلك إلى نوعين من الارتكاس : نوع اعتبر الأمة الإسلامية كلياً فاسقة ، فنصب لها العداء ، وحاربها بحد السيف ، وهذا كان موقف الخوارج ، ونوع أشفق على الدين من الفتن وإراقة الدماء فاعتزل القتال ولجأ إلى العزلة والزهد والتنسك ، وأبرز مثال لهذه الفئة من السلمين : الحسن البصري وواصل بن عطاء ، ومعاذة القيسية ورابعة العدوية وكثيرون غيرهم ، وقد عاشوا كلهم في القرن الثاني للهجرة ( تاريخ الفلسفة العربية ، ص 292 - 293 ) .