السيد محمد تقي المدرسي
110
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
وقد فاق ملا صدرا شيخه في سعة اطلاعه وشدة بحثه وطول غيبته ، كما كان ملماً بأحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) ويحاول أن يدخلها في بوتقته التي انصهرت فيها كل المذاهب والآراء . وبالإضافة إلى ذلك : فإن ما ميّز فلسفة الإشراق هو الاعتقاد بوحدة الحق بين الدين والفلسفة ، وبضرورة البحث عن الحق ، سواء في شرائع الدين أو مناهج الفلسفة اليونانية أو مذاهب الحكمة الفارسية أو ذوق العرفان الشامخين . وكما يقول ماجد فخري : إن المنزلة الهامة التي يشغلها السهروردي في تاريخ الفكر بعد ابن سينا ، إنما تبرز في الدفاع عن وحدة الحق بين الدين والفلسفة ، وفي وجوب طلب الحق من جميع مظانه في الفلسفة اليونانية وفي الفكر الفارسي القديم ، وفي الأفلاطونية الجديدة الإسلامية ، وفي النهج الصوفي على السواء « 1 » . أما صدر المتألهين ؛ فإن هاجسه الذي يلاحقه في كل فصول كتابه الموسوعي ( الحكمة المتعالية ) هو محاولة الجمع بين منهجي البحث العقلي والكشف القلبي ، وأيضاً التوفيق بين شرائع الدين ومناهج الفلسفة ومشاهدات الصوفية ، كما يقول مترجمه الشيخ محمد رضا المظفر . وفي الحقيقة ، إن فيلسوفنا له مدرسة واحدة فقط ، هي الدعوة إلى الجمع بين المشائية والإشراقية والإسلام ، هذه العناصر الثلاثة هي أعمدة أبحاثه ومنهجه العلمي في مؤلفاته « 2 » . وكثيراً ما تراه يفتخر بأنه استطاع أن يصل إلى أعظم درجة في المعرفة بفضل منهجه في الجمع بين الذوق والبحث ، فيقول : فإن ما تيسر لنا بفضل الله ورحمته وما وصلنا إليه بفضله وجوده من خلاصة أسرار المبدأ والمعاد مما لست أظن أن وصل إليه أحد ممن أعرفه من شيعة المشائين ومتأخريهم ( دون أئمتهم ومتقدميهم
--> ( 1 ) ( ) تاريخ الفلسفة الإسلامية ، ص 415 . ( 2 ) ( ) الحكمة المتعالية ، ج 2 ، المقدمة ( ل ) .