السيد محمد تقي المدرسي

97

مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة)

البحث في ذات الله عجز : لقد كلّف البعض أنفسهم عناء البحث في ذات الله المقدسة ، في وقت عجزوا كل العجز عن مجرد إحصاء آيات الله تبارك وتعالى فيما حولهم ، فضلّوا وأضلوا كثيرًا من الخلق بتقولاتهم الباطلة ؛ التي من جملتها ان الله جاهل وذلك لأنه تجاهل أمر مخلوقاته ، حيث تركها وشأنها حتى أصبح جاهلًا بها ! ! ثم قالوا إنه عاجز عن عمل شئ بسبب كبريائه وعظمته التي تمنعه من التدخل في أمر المخلوقات بعد أن فرغ من خلقها : وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ( المائدة / 64 ) . والبعض الآخر ادّعى بأن الله يعلم الكليات فحسب دون التفاصيل والجزئيات ، لأنها لا تليق بعلمه . فهو يعلم أن الخير خير ، والشر شر ، والحق حق ، والباطل باطل ، اما التفاصيل التطبيقية للخير والشر والحق والباطل فلا ! . إنهم أرادوا ان يقيسوا ربهم بعقولهم وقابلياتهم المحدودة ، ولقد قال الامام أبو عبد الله الصادق عليه السلام : " ولو أن النملة أرادت أن تصور الله لصورت له قرنين " . علمَا بأن اليهود رسموا صورة الله على هيئة رجل كبير السن ذي لحية بيضاء طويلة كصورة الأحبار والرهبان ، وقالوا : هذه صورة الله . لقد ضلوا ضلالًا بعيداً بإقحام أنفسهم في علم مالم يكلّفوا به ، ففي الوقت الذي كان عليهم أن يسبروا غور المخلوق فكروا بالخالق . ولا أشك بأن الدهريين الذين أنكروا وجود الله سبحانه وتعالى ، إنما أنكروه لأنهم أرادوا إلهاً يحسونه بأيديهم ويخضعونه لتجاربهم الحسية والعقلية البسيطة . وإذ لم يتسنَّ لهم ذلك قالوا بعدم وجود إله مطلقاً ، ولو كان ثم إله لرأيناه ولمسناه . . .