السيد محمد تقي المدرسي
32
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة)
العمل ، وربما كان هو المشجع للتصوف والرهبنة بزعمه ان افعال العباد مخلوفة ، ففي رواية في البحار عن أمير المؤمنين عليه السلام في القدر أنه قال : " ألا إن القدر سرّ من سرّ الله وحرز من حرز الله ، مرفوع في حجاب الله ، مطوي عن خلق الله ، مختوم بخاتم الله ، سابق في علم الله ، وضع الله عن العباد علمه ، ورفعه فوق شهاداتهم لأنهم لا ينالونه بحقيقة الربانية ولا بقدرة الصمدانية ولا بعظمة النورانية ولا بعزة الوحدانية لأنه بحر زاخر مواج خالص لله عز وجل ، عمقه ما بين السماء والأرض ، عرضه ما بين المشرق والمغرب اسود كالليل الدامس ، كثير الحيّات والحيتان ؛ تعلو مرة وتسفل أخرى ، في قعره شمس تضيء لا ينبغي ان يطّلع عليها إلّا الواحد الفرد ، فمن تطلَّع عليها فقد ضادّ الله في حكمه ونازعه في سلطانه وكشف عن سرّه وستره وباء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ( « 1 » ) . وقد وردت هذه الرواية جواباً قاطعاً لمن سأله عليه السلام عن القدر ، وجاءت تحذيراً بان القدر امر خطير وتوجيهاً للانسان بأن يؤمن بوجدانه وبفطرته وانه مكلف حرّ ومريد في أعماله وان عليه الجزاء ، واما ان يتعمق الانسان في ذات الله فذاك هو التفكر في ذات الله وذاك هو الزندقة ، بينما يأتي سامري هذه الأمة ليحدث الناس عن القدر فيبث الشبهات في أفكار الناس ويضللهم . والذي يبدو ان الحسن بن أبي الحسن البصري كان يسعى إلى تبرير أفكاره من خلال مراسلاته وكتاباته مع الأئمة المعصومين ، فلم يكن يجد إلّا ردّاً قاطعاً ، فقد روي عن العالم - الإمام موسى بن جعفر عليه السلام - أنه قال : كتب الحسن بن أبي الحسن البصري إلى الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما
--> ( 1 ) بحار الأنوار / ج 5 / ص 97 .