السيد محمد تقي المدرسي

125

مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة)

إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الاخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [ الانعام / 32 ] ) . ومنه يبدو جلياً أن العاقل هو المخاطب ، لأنه يستطيع بعقله استيعاب الموعظة والاستفادة منها . وذو العقل هو الذي لا يحصر تفكيره بيومه ، بل ينطلق به بعيداً إلى آفاق المستقبل . وهذا على العكس في الجاهل الذي لا يرى إلّا يومه ، فهو قاصر في تفكيره لا يتعدى حدود اشباع غرائزه . ( ثم وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة فقال : وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ [ الانعام / 32 ] ) ، وتلك هي حقيقة الحياة الدنيا ، إذا ما قيست بالحياة الآخرة . . إنها قصيرة لا تكاد تذكر ، إذا ما قورنت بعمر هذا الكون منذ وجوده والى ما دامت السماوات والأرض ، إن الانسان يجتاز الحياة وكأنه يؤدي دوراً في مسرحية ذات فصول قصيرة حين لا يستخدم عقله وتفكيره . لكنها ولمن يعقل ليست إلّا تمهيداً لحياة النعيم الأبدي واستعداداً لحياة الخلود . والقرآن الكريم يقول : وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الاخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُون ( الانعام / 32 ) فهي ليست خيراً للذين لا يعقلون فيلهون ويلعبون ويوغلون في المآسي والمشاكل والذنوب . ( وقال : وَمَآ أُوتِيتُم مِن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُون [ القصص / 60 ] ) . فالمطلوب إذن أن يستثير الانسان عقله فيزيده نورا ويخرجه عن حالة الركود والجمود ، ليدرك أن ما أوتي من خير في هذه الحياة الدنيا انما هو مؤنة الطريق يتمتع به ، وإن هو إلّا زائل لأنه زينة تلهيه وتشغله عن نعمة دائمة تعقب هذه الزينة ، أعدت لمن أدرك حقيقتها فاتقى وسعى في رضوان الله تعالى .