السيد محمد تقي المدرسي

108

مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة)

العقبة الثانية : التكبر وحينما يعني التكبر التعالي على الآخرين ، فإنما يعني في نفس الوقت ان المتكبر يجهل نفسه ، ويجهل ذاته فلا يتبادر له من وَهُوَ الَّذِي أَنْشَاكُمْ مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ( الانعام / 98 ) ولا من : " كلكم لآدم وآدم من تراب " ( « 1 » ) ، اي معنى . ولا ريب ان للتكبر اسباباً وتصحبه نتائج أيضا . إذ لو عاد الإنسان لنفسه لوجد أنه ضعيف بدرجة كبيرة لن يستطيع معها أن يخرق الأرض التي يعيش عليها ، ولن يستطيع ان يبلغ الجبال طولا مهما تطاول واستعلى على بني جنسه . يقول الله تعالى : وَلَا تَمْشِ فِي الارْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الارْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ( الاسراء / 37 ) غير أن الجهل بهذا المعنى ، وقصور عقل المتكبر عن إدراكه هو الذي يدفعه للتظاهر بما ليس فيه فعلا ، ومن ثم يعجز عن استقبال الحقائق فيلجأ إلى الصلف والتعنت والمكابرة ، فيركن إلى التخلف والارتجاع والانتكاس . وهذه سمة المتخلفين الذين يعتزون بتخلفهم ويفتخرون بالمياه الآسنة العفنة التي يتخبطون فيها . فليس غريباً ان نجد البعض يفتخر بالتخلف ويعتز بالإثم مباشرة أو بصورة غير مباشرة ، فيغدو قلبه كصخرة صماء بل أشد قسوة ؛ وان من الأحجار ما يتفجر منها الأنهار ، لكن قلب المتكبر لا ينضح ألا الحقد لاحساسه بالتأخر والتخلف ، ويبدو جامد القلب لا يتأثر بصواعق العذاب وألوانه . تقول الآية الكريمة : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ

--> ( 1 ) بحار الأنوار / ج 76 / ص 350 / رواية 13 .