السيد محمد تقي المدرسي
75
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
ومعرفة هذه العلامات بصورة جيدة وجعلها معياراً للقيادة ، ثم إشاعة هذه الثقافة في المجتمع الانساني ، كل ذلك يوفر للأمة حصانة من الانحراف ويعصمها بإذن الله من الاختلاف . ثالثاً : بين الاجتباء والتوبة حين يعقد المؤمن عزائمه لكي يكون في الدرجة العاشرة من الايمان ، فيغفل ويهوى إلى الدرجة الأدنى منه ، فإنه سرعان ما تداركه الرحمة الإلهية ويتبصر حتى يسمو إلى درجته ، وهناك يكون صالحاً للاجتباء . ذلك إن التوبة هي القدرة على كشف الخطأ ، وتداركه في الوقت المناسب . وكلتا المهمتين صعبتان إلى درجة تنكفئ عنهما إرادة أغلب الناس . فالانسان يزين له سوء عمله فيراه حسناً ، ويشرع بالاعتذار لنفسه عن فعله ، حتى يغير القيم ، ويطمس نور الوجدان ، ويفتري على الله الحق . . كل ذلك لكي لا يعترف بخطأه . يقول الله سبحانه : ( وإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ) ( البقرة / 206 ) هذا في الذنوب الكبيرة التي قبحها واضح ، وحرمتها معلومة . أمّا في الهفوات فان مجال التبرير واسع . بينما نرى عباد الرحمن قد قهروا أهواءهم إلى درجة يعترفون حتى بترك ما كان أولى ، ويتوبون إلى الله منها ويعتبرونه معصية . مثلًا النبي داود عليه السلام خرّ راكعاً وأناب عن سرعة قضاءه ، فتاب عليه ربه ، وجعله خليفته في الأرض ، وأمره بالعدل . وهكذا آدم أبو البشر حينما أكل من الشجرة ، تاب إلى الله فاجتباه ربه . وحسب حديث شريف ، كان النهي عنه شجرة معينة ، وآدم عليه السلام أكل من مثلها بعد أن شبه له إبليس الأمر باليمين الكاذبة ، حيث قاسمه بالله . لنقرء معاً الحديث الشريف المروي عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام . فقد روي عن علي بن محمد بن الجهم ، أنه قال : حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا عليه السلام ، فقال له المأمون : يا بن رسول الله ؛ أليس من قولك أن الأنبياء معصومون ؟ قال : بلى . قال : فما معنى قول الله عز وجل : ( وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) ؟ قال عليه السلام : إن الله تعالى قال لآدم : ( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتَما وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ) ، وأشار لهما إلى شجرة الحنطة ( فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين ) ولم يقل : ولا تأكلا من هذه الشجرة ، ولا مما كان من جنسها . فلم يقربا من تلك الشجرة ، وإنما أكلا من غيرها لما أن وسوس الشيطان إليهما ، وقال : ( مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ) وإنما